تتصاعد في الأوساط السياسية والإعلامية تساؤلات متزايدة حول أداء قيادات عسكرية في السودان، في ظل استمرار الحرب وتعقّد المشهد الميداني، حيث يرى مراقبون أن عدداً من القرارات العسكرية، خاصة ما يتعلق بالانسحابات والعمليات الكبرى، ظلّ محاطاً بالغموض، دون تقديم تفسيرات رسمية واضحة أو نتائج حاسمة لمجالس التحقيق التي أُعلن عنها سابقاً.
ظاهرة الفساد في السودان اتخذت مساراً مغايراً لما هو مألوف في العديد من الدول، إذ لم تقتصر على المؤسسات المدنية، بل امتدت إلى داخل المؤسسة العسكرية والأمنية..
ويشير متابعون إلى أن ظاهرة الفساد في السودان اتخذت مساراً مغايراً لما هو مألوف في العديد من الدول، إذ لم تقتصر على المؤسسات المدنية، بل امتدت إلى داخل المؤسسة العسكرية والأمنية، ما ألقى بظلاله على كفاءة الأداء العام وثقة الرأي العام.
لجنة التأهيل الخارجي تحت المجهر
في قلب هذه الاتهامات، تبرز لجنة مختصة بتأهيل العسكريين في الخارج، يُقال إنها تعمل خارج الأطر المؤسسية التقليدية، ولا تخضع لرقابة مباشرة من وزارة الدفاع، ولا تعتمد معايير شفافة لاختيار المرشحين للمنح والتدريب. وتشير معلومات متداولة إلى أن عدداً من الضباط الذين شغلوا مواقع مؤثرة داخل هذه اللجنة، واجهوا في فترات سابقة اتهامات تتعلق بملفات فساد، من بينها قضية مصنع المحاليل الوريدية التابع للصندوق القومي للخدمات الطبية للقوات المسلحة، والذي أُعلن عن افتتاحه رسمياً رغم عدم دخوله الخدمة الفعلية.
صفقة “مُريبة” لمعدات طيران
وتتمحور أخطر الاتهامات حول ما وُصف بأنها واحدة من أكبر قضايا الفساد داخل المؤسسة العسكرية، تتعلق ببيع عدد من محركات الطائرات بكامل ملحقاتها، في صفقة يُقال إنها تمت خارج الأطر القانونية والإجرائية المتعارف عليها. وبحسب المعطيات، فإن هذه المعدات – التي وُصفت بأنها بحالة فنية جيدة – جرى بيعها بأسعار تقل كثيراً عن قيمتها السوقية، في وقت يشهد فيه سوق قطع غيار الطيران، خاصة ذات المنشأ الروسي، ارتفاعاً ملحوظاً في الأسعار نتيجة تداعيات الحرب في أوكرانيا والعقوبات الاقتصادية. وتشير التفاصيل إلى أن عملية البيع تمت بصورة مباشرة ودون إجراءات شفافة، قبل أن تبدأ الجهة المشترية في شحن المعدات عبر مطار الخرطوم إلى خارج البلاد.
محاولة التفاف جمركي تثير الشبهات
وخلال إجراءات التصدير، واجهت الشحنة مطالبات جمركية، ما دفع الجهة المشترية – وفق الروايات المتداولة – إلى محاولة الالتفاف على الرسوم عبر الحصول على خطاب رسمي يُفيد بأن المعدات تتبع لسلاح الطيران، وأنها في طريقها إلى الصيانة بالخارج. هذا التباين في المستندات، الذي أظهر وجود جهتين مالكتين للمعدات، أثار شكوك الجهات المختصة في المطار، ليتم إيقاف العملية وإحالتها إلى الأجهزة الأمنية، التي باشرت تحقيقاتها بالتنسيق مع جهات أخرى.
تحقيقات بلا نتائج حاسمة
وتؤكد المصادر أن القضية وصلت إلى مستويات عليا داخل المؤسسة العسكرية، حيث تم تشكيل مجلس تحقيق للنظر في ملابساتها. غير أن تعيين أحد المسؤولين المرتبطين بالملف ضمن لجنة التحقيق أثار تساؤلات إضافية حول مدى استقلالية الإجراءات. وحتى الآن، لم تُعلن نتائج نهائية بشأن هذه القضية أو غيرها من الملفات المرتبطة باتهامات الفساد داخل المؤسسة العسكرية، ما يعزز حالة الغموض ويُبقي باب التساؤلات مفتوحاً.
أزمة ثقة متصاعدة
ويرى محللون أن استمرار هذه الملفات دون حسم واضح يفاقم أزمة الثقة بين الشارع والمؤسسات الرسمية، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي تمر بها البلاد، حيث تصبح الشفافية والمساءلة عناصر حاسمة لاستعادة الاستقرار. وفي غياب ردود رسمية تفصيلية، تبقى هذه الاتهامات في إطار ما يتم تداوله من معلومات وتقارير غير مؤكدة، بانتظار ما ستسفر عنه التحقيقات، إن تم استكمالها، أو ما قد تكشفه تطورات المشهد السياسي والعسكري في السودان خلال الفترة المقبلة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.