في ظل الصراع المحتدم الذي يشهده السودان منذ منتصف أبريل 2023، برز اسم ما تُسمّى بـ”قوات العمل الخاص” كأحد أكثر الفاعلين إثارةً للجدل. وبينما يقدّمها الإعلام الرسمي للجيش كقوات نخبوية لمواجهة قوات الدعم السريع، تشير تقارير وتحليلات ميدانية إلى أنها تمثل عودة قوية للأذرع المسلحة التابعة للحركة الإسلامية (الإخوان المسلمون) داخل بنية القوات المسلحة السودانية.
تعتمد هذه القوات، في نواتها الصلبة، على مقاتلين مخضرمين شاركوا في حروب جنوب السودان السابقة، ويُعرفون بـ”البدريين” و”الدبابين”، أو الرعيل الأول من المجاهدين.
وتبرز أسماء قيادية ذات خلفيات إسلامية واضحة تدير العمليات في الولايات، مثل شهاب برج، قائد العمل الخاص بولاية النيل الأبيض، وفتح العليم الشوبلي، المسؤول عن العمليات في ولاية سنار. كما يبرز الفريق محمد عبد الحافظ عقلة، قائد القوات في ولاية الجزيرة، واللواء (م) تاج الدين الزين، رئيس المقاومة الشعبية وقوات العمل الخاص بولاية نهر النيل، الذي يشكّل حلقة الوصل بين المستنفرين وقيادة الفرقة الثالثة مشاة بشندي.
وتُتهم هذه القوات، من قبل قوى مدنية وسياسية، بأن دورها يتجاوز المهام العسكرية التقليدية إلى أجندات تصفية حسابات سياسية. ويمكن تلخيص أدوارها في عدة نقاط، منها السيطرة على مفاصل القرار داخل الجيش والسلطة التنفيذية في الولايات. وتشير المعطيات إلى تغلغل هذه القيادات داخل رئاسات الفرق العسكرية، حيث تتدخل في إصدار الأوامر وتوجيه العمليات، مستمدةً قوتها من تنسيق مباشر مع القيادة العليا للجيش.
أما مصادر التمويل، فتشير المعلومات إلى أنها تحظى بتمويل مباشر، حيث تُصرف ميزانياتها من ولاة الولايات بتوجيهات سيادية، ما يمنحها استقلالية مالية ولوجستية تفوق، في بعض الأحيان، وحدات الجيش النظامية.
ومع توسع نفوذ هذه المليشيا، تتجه أصابع الاتهام إليها بممارسة انتهاكات ضد الناشطين والسياسيين داخل المدن. ويبرز اسم “حسبو السناري”، التابع للعمل الخاص بولاية سنار، كأحد المتهمين بالإشراف على عمليات استهداف وتصفية لفاعلين سياسيين في مناطق الحلفايا والدندر وكنابي الجزيرة.
ويرى مراقبون أن جزءاً كبيراً من نشاط هذه القوات يتركز في “صناعة المحتوى” العسكري والترويج الدعائي، مع استخدام التهديد كأداة لتحجيم القوى المناهضة للحرب.
ومثّلت الزيارة الأخيرة لرموز الحركة الإسلامية التاريخيين، مثل الصادق محمد علي الشيخ، ومحمد أحمد حاج ماجد، والناجي عبد الله، إلى مقرات قوات العمل الخاص بولاية النيل الأبيض، إعلاناً صريحاً عن “شرعنة” هذه المليشيات داخل مؤسسة الدولة.
ويقول خبراء إن هذه الزيارة لا تمثل مجرد دعم معنوي، بل تأكيداً على التحالف العضوي بين الجيش والتيار الإسلامي لاستعادة نفوذ ما قبل ثورة ديسمبر.
وفي هذا السياق، يرى خبير أمني – فضّل عدم الكشف عن هويته – أن “قوات العمل الخاص هي في الواقع إعادة إنتاج لـ’الدفاع الشعبي’ بصيغة مطوّرة، وتكمن خطورتها في امتلاكها تراتبية موازية للجيش، ما يجعل قرار الحرب والسلم مرتهناً لرؤية أيديولوجية، لا للمصلحة الوطنية الخالصة”.
ويضيف أن “تحوّل هذه المجموعات إلى سلطة فوق السلطة في الولايات يهدد وحدة النسيج الاجتماعي، كما أن ممارسات البطش ضد القوى المدنية، تحت لافتة العمل الخاص، ستزيد من تعقيد أي حلول سياسية مستقبلية، لأنها تعتبر أي تسوية تهديداً مباشراً لوجودها”.
و يؤكد مراقبون إن “قوات العمل الخاص” تظل نقطة ارتكاز حاسمة في الصراع السوداني الحالي، فهي تمثل بالنسبة لمؤيدي الجيش قوة إسناد ضرورية، بينما يراها الخصوم “مليشيا إسلامية” تختطف قرار القوات المسلحة وتجهض تطلعات التحول الديمقراطي عبر فوهة البندقية.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.