لم يكن تدمير هيئة السكك الحديدية ومشروع الجزيرة مجرد نتيجة لإهمال إداري، بل جاء، وفقاً لمنتقدين، ضمن استراتيجية ممنهجة اتبعتها الحركة الإسلامية «الكيزان» لتفكيك الدولة السودانية وتحويل أصولها إلى «غنائم» لمؤسساتها الطفيلية.. اعتمد النظام في ذلك على سياسة التمكين، التي بدأت بتشريد الكفاءات الوطنية تحت مسمى «الصالح العام»، وانتهت ببيع أصول تُقدّر بمليارات الدولارات كخردة، ما أدى إلى عزل السودان داخلياً وخارجياً، وإضعاف أمنه الغذائي.
السكك الحديدية السودانية تمتلك واحدة من أطول الشبكات في أفريقيا «حوالي 5895 كيلومتراً»، وشكّلت الرابط الاقتصادي والاجتماعي الأهم بين أقاليم البلاد، قبل أن تطالها موجة تدهور واسعة..
هيئة السكك الحديدية: تقطيع أوصال الوطن
كانت السكك الحديدية السودانية تمتلك واحدة من أطول الشبكات في أفريقيا «حوالي 5895 كيلومتراً»، وشكّلت الرابط الاقتصادي والاجتماعي الأهم بين أقاليم البلاد، قبل أن تطالها موجة تدهور واسعة. بدأ الاستهداف المباشر في عام 1990، عقب إضراب عمال السكة الحديد الشهير ضد الانقلاب.. وأصدر النظام قرارات فصل تعسفي شملت أكثر من 3500 عامل وفني وإداري من خيرة كفاءات الهيئة في عطبرة وغيرها، ما أفرغ المؤسسة من ذاكرتها الفنية وخبراتها التراكمية، فيما عُرف بمجزرة الصالح العام.
لاحقاً، تحولت السكك الحديدية من مؤسسة خدمية وتنموية إلى بيئة لبيع الأصول وتفكيكها، عبر ممارسات أبرزها: اقتلاع مئات الكيلومترات من القضبان، خاصة خطوط الربط مع مشروع الجزيرة وخطوط الهامش، وبيعها كخردة. إبرام صفقات قاطرات «وابورات» أثارت جدلاً واسعاً، إذ تم استيراد قاطرات من الصين والهند بين عامي 2007 و2012، قُدّرت قيمتها بأكثر من 300 مليون دولار، وتبيّن لاحقاً عدم ملاءمة بعضها للعمل في البيئة التشغيلية المحلية.
إهمال ورش عطبرة التاريخية، التي كانت الأكبر في المنطقة، وتفكيك أجزاء من معداتها، إلى جانب تغيير استخدام مساحات من أراضي السكة الحديد في الخرطوم ومدن أخرى.
مشروع الجزيرة: اغتيال أكبر مزرعة في العالم يمثل مشروع الجزيرة، بمساحته البالغة 2.2 مليون فدان، أحد أهم أعمدة الاقتصاد السوداني، وقد شهد تحولات جذرية، خاصة بعد صدور قانون عام 2005. كما أعتبر مراقبون أن القانون مثّل نقطة تحول حاسمة، حيث أُعيدت هيكلة المشروع تحت شعارات الخصخصة و«حرية المزارع»، ما أدى إلى نتائج وُصفت بالكارثية، من بينها: تصفية قطاع الهندسة الزراعية وبيع أسطول الآليات الثقيلة. تفكيك شبكة السكة الحديد الداخلية للمشروع، التي كان يُقدّر طولها بنحو 1300 كيلومتر. بيع وتفكيك عدد من المحالج التاريخية في مارنجان والحصاحيصا والباقير، وسط جدل حول تقييمها المالي.
تفكيك شبكة نقل داخلية واسعة بالمشروع. تصفية عدد من المحالج ومصانع الغزل والنسيج. فقدان آلاف الوظائف، حيث تم فصل أكثر من 13 ألف عامل في بعض القطاعات المرتبطة بالمشروع..
الأرقام والوقائع
تشير بيانات متداولة إلى حجم كبير من التراجع، تمثل في: تفكيك شبكة نقل داخلية واسعة بالمشروع. تصفية عدد من المحالج ومصانع الغزل والنسيج. فقدان آلاف الوظائف، حيث تم فصل أكثر من 13 ألف عامل في بعض القطاعات المرتبطة بالمشروع. كما تُقدر قيمة الأصول والخسائر التراكمية- بحسب بعض التقديرات غير الرسمية- بمبالغ ضخمة تعكس حجم التدهور الذي لحق بالمشروع. وقد ارتبطت هذه السياسات بأسماء مسؤولين شغلوا مواقع تنفيذية خلال تلك الفترة، في ظل اعتماد قانون عام 2005 وتعديلاته اللاحقة عام 2014.
آليات البيع والتفكيك
بحسب إفادات متطابقة، تم تمرير عمليات بيع الأصول عبر: لجان فنية وُصفت بأنها غير مستقلة، قامت بتقييم الأصول بأقل من قيمتها الفعلية. بيع أصول وممتلكات المشروع لشركات مرتبطة بمراكز نفوذ. تحويل بعض المنشآت والمباني إلى استثمارات خاصة. كما أدى إهمال صيانة قنوات الري إلى تدهور البنية الزراعية، ما دفع كثيراً من المزارعين إلى ترك أراضيهم.
يعكس ما جرى في السكك الحديدية ومشروع الجزيرة نموذجاً لتحولات عميقة شهدها الاقتصاد السوداني خلال العقود الماضية، حيث تراجعت مؤسسات كانت تمثل ركائز الإنتاج والنقل. ويرى مراقبون أن هذه التحولات تجاوزت حدود الفساد المالي لتطال البنية الاجتماعية والاقتصادية للدولة، عبر إضعاف الترابط بين الأقاليم وتراجع الإنتاج الزراعي.
اليوم، تبرز تحديات إعادة البناء بوصفها أولوية، تبدأ بكشف الحقائق ومراجعة السياسات، وتمر بمحاسبة المسؤولين، وصولاً إلى وضع رؤية وطنية تعيد الاعتبار لهذه المؤسسات الحيوية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.