الكيزان وتدمير المؤسسات

تقرير : عين الحقيقة

يشكل حكم “حركة الإنقاذ الوطني” في السودان، والذي قادته الحركة الإسلامية ( “الكيزان”) واستمر لثلاثة عقود تقريباً منذ انقلاب 1989 بقيادة عمر البشير، نقطة تحول كارثية في تاريخ الدولة السودانية ومؤسساتها. فقد تحولت الدولة من مؤسسات وطنية إلى أدوات في يد فئة أيديولوجية، مما أدى إلى تدهور وانهيار شبه كامل في بنية الدولة ووظائفها الأساسية. لم يكن هذا التدهور نتيجة لأخطاء إدارية عابرة، بل كان نتاجًا لسياسة ممنهجة هدفت إلى “تمكين” أفراد التنظيم على حساب الكفاءة والحياد المؤسسي.
​التمكين والسيطرة الأيديولوجية على المؤسسات
​كانت السياسة المحورية لنظام “الإنقاذ” هي “التمكين”، وهو مصطلح يعني إحلال الأفراد الموالين للحركة الإسلامية في جميع مفاصل الدولة، بغض النظر عن مؤهلاتهم. كان الهدف هو ضمان السيطرة المطلقة على الدولة وتحويلها إلى أداة لتحقيق أجندة التنظيم.
​إفساد الخدمة المدنية: تم طرد الآلاف من الكفاءات والخبرات الوطنية من الخدمة المدنية، القضاء، والجيش، واستبدالهم بعناصر “مؤدلجة” تفتقر إلى الكفاءة المهنية، مما أدى إلى شلل في البيروقراطية الحكومية وتدني جودة الخدمات المقدمة للمواطنين.
​تسييس القضاء والعدالة: تم اختراق السلطة القضائية بشكل كبير، وفقدت استقلاليتها لصالح السلطة التنفيذية، مما قوّض مبدأ سيادة القانون وأشاع الشعور بالظلم والاضطهاد. لم يعد القضاء ملجأً لحماية الحقوق، بل أصبح أداة لتصفية الخصوم السياسيين.
​تدمير المؤسسات الاقتصادية الإنتاجية: تم تفكيك وإضعاف مشاريع وطنية عملاقة ومؤسسات إنتاجية كانت فخرًا للسودان، مثل مشروع الجزيرة (أكبر مشروع زراعي مروي في المنطقة)، و السكك الحديدية السودانية، والخطوط البحرية والجوية (سودانير). تم بيع أصول هذه المؤسسات أو إدارتها بأسلوب فاسد وغير كفؤ، مما حولها من مصادر للدخل القومي إلى هياكل خاسرة، بحجة “الخصخصة” التي كانت في جوهرها “تحويل أصول الدولة” لشبكة من المنتفعين من “الكيزان”.
​الفساد المالي والاقتصادي الممنهج
​كان الفساد في عهد الكيزان ظاهرة مؤسسية وممنهجة، وليس مجرد حالات فردية. وقد أدى هذا الفساد إلى تدمير البنية المالية والاقتصادية للبلاد.
​اقتصاد الظل ونهب الثروات: تشير تقارير دولية إلى اختفاء مليارات الدولارات من عائدات الصادرات، خاصةً النفط والذهب، والتي لم تدخل خزينة الدولة المركزية. تم إنشاء “اقتصاد حرب” خفي، حيث سيطرت شبكات من الموالين على قطاعات حيوية، مما أدى إلى ظهور طبقة من “الطفيليين” ازدادت ثراءً فاحشًا على حساب عامة الشعب.
​الانهيار الاقتصادي والتضخم: فاقمت سياسات النظام الاقتصادية الكارثية والمحسوبية من حدة التضخم، وارتفعت الأسعار بشكل غير مسبوق، ووصل سعر الدولار إلى مستويات قياسية مقارنة بما كان عليه عند استلامهم السلطة. وقد أدى هذا التدهور الاقتصادي المريع إلى خراب المؤسسات العامة وانهيار الخدمات الصحية والتعليمية، ودفع بقطاعات واسعة من المواطنين إلى حافة المجاعة.
​العقوبات الدولية وغياب الرؤية: ساهم دعم النظام للإرهاب ووضعه في قائمة الدول الراعية للإرهاب في فرض عقوبات دولية واسعة، مما عزل السودان ماليًا واقتصاديًا، وحرمه من الاستثمارات والتمويل الخارجي اللازم للتنمية.
​تفكيك الأمن القومي وتفتيت الوحدة الوطنية
​لعب نظام الإنقاذ دوراً محورياً في إضعاف البنية الأمنية والاجتماعية للدولة، مما أدى إلى حروب داخلية وخسارة جزء كبير من الوطن.
​خلق المليشيات المسلحة: اعتمد النظام على إنشاء مليشيات موازية للقوات المسلحة النظامية، كـ”قوات الدفاع الشعبي” وغيرهما، وتغذية الصراعات القبلية والجهوية لتأمين سلطته، بدلاً من تعزيز المؤسسة العسكرية الموحدة والمهنية. هذا التكتيك، الذي هدف إلى تأمين سلطة الحزب على حساب الدولة، هو أحد الأسباب الجذرية للصراع الحالي في السودان.
​الحرب الأهلية وانفصال الجنوب: أدى تطبيق النظام للشريعة الإسلامية بطريقة أيديولوجية، ورفض الاعتراف بالتنوع الثقافي والديني، إلى تأجيج الحرب الأهلية في الجنوب واستمرارها، مما أدى في النهاية إلى انفصال جنوب السودان عام 2011، وهو أكبر خسارة إقليمية في تاريخ السودان الحديث.
​جرائم الإبادة في دارفور: تورط النظام في جرائم حرب وإبادة جماعية في دارفور، مما أدى إلى ملاحقة البشير وعدد من قياداته من قبل المحكمة الجنائية الدولية، ووصم الدولة السودانية بوصمة عار دولية. وقد اعترف بعض قادة “الإنقاذ” لاحقًا بـ”أكبر أنواع الفساد الذي مارسه نظام الإنقاذ وهو قتل النفس في دارفور والحكم الديكتاتوري الفاسد”.
​الإرث المدمر: دولة هشة وممزقة .
​باختصار، حكم الكيزان (الإخوان المسلمين) لم يكن مجرد فترة ديكتاتورية، بل كان مشروعًا أيديولوجيًا هدف إلى هندسة الدولة والمجتمع لخدمة مصالح التنظيم. النتيجة النهائية كانت:
​انهيار البنية التحتية: تدهور شامل في الخدمات الحيوية (صحة، تعليم، نقل).
​تدمير الاقتصاد الوطني: فساد هائل، نهب للموارد، وعزلة دولية.
​تفتيت النسيج الاجتماعي والأمني: حروب أهلية، خلق مليشيات، وخسارة جزء من الوطن.
​لقد خلف نظام الإنقاذ ورائه دولة هشة ومفككة المؤسسات، تحكمها المصالح الضيقة لشبكات الفساد والولاءات الحزبية، بدلاً من القانون والكفاءة، وهو الإرث الثقيل الذي لا يزال السودان يعاني من تداعياته الكارثية حتى اليوم، بما في ذلك الصراعات العسكرية الحالية التي تعود جذورها إلى تشوهات نظام “التمكين” الأمني والعسكري.
​كلمة أخيرة: إن مسيرة استعادة الدولة السودانية تتطلب عملاً جادًا ومضنيًا لإعادة بناء ما دمره “التمكين” عبر 30 عامًا، وفي مقدمة ذلك، إعادة هيكلة المؤسسات الوطنية على أساس الكفاءة والحياد والشفافية…

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.