تصنيف الإخوان… مرآة البرهان التي لا تكذب

زهير عثمان حمد

ليس الجدل الحقيقي حول ما إذا كان قرار واشنطن بتصنيف الإخوان المسلمين في السودان “منظمة إرهابية” عادلاً أو تدخلاً في الشؤون الداخلية.
الجدل الحقيقي، وربما الأكثر إيلاماً، هو ما فعله هذا القرار فجأة بالسلطة في بورتسودان.
لقد وضعها أمام مرآة قاسية، فلم تجد فيها صورة الدولة التي تدّعي حمايتها، بل وجدت صورةً مركبةً ومعقدةً لشبكة مصالح وولاءات ظلت لعقود تتقن فن التخفي خلف جدران المؤسسات.
الذين يختزلون المشهد في صرخة “السيادة الوطنية” يتجاهلون عمداً أن ما جرى ليس ضربة خارجية بقدر ما هو نتاج طبيعي لمسار طويل من التداخل بين السياسي والعسكري، والأيديولوجي بالمؤسسي.
تداخل بلغ حداً جعل الفصل بين الدولة والتنظيم أشبه بمطالبة الجسد بأن ينفصل عن ظله.
هنا تحديداً، يقف الفريق عبد الفتاح البرهان أمام سؤال وجودي لا يمكن الفرار منه: هل هو قائد جيش لدولة ذات سيادة، أم أنه جزء من شبكة ولاءات معقدة، تمتد جذورها في تربة “التمكين” التي رويت بعقود من التواشج العضوي بين العسكر والحركة الإسلامية؟
هذا السؤال ليس ترفاً فكرياً، بل هو المفتاح الذي سيحدد مصير الحرب والسلام في السودان.
لكن القرار الأمريكي، شئنا أم أبينا، لم يعد يترك مجالاً للغموض.
لقد نقل الصراع من بؤره الساخنة داخل الخرطوم إلى دائرة الضوء الدولية، وأعاد تعريفه في سياق أوسع يتعلق بالإرهاب والنفوذ الإقليمي.
وهنا تظهر المفارقة: فبينما كان خطاب بورتسودان يراوح مكانه بين المناورة والتكتيك، كان العالم يعيد رسم خرائط تحالفاته.
ففي الوقت الذي تترقب فيه القوى الإقليمية – من الخليج إلى القرن الأفريقي – انعكاسات هذا التصنيف على موازين القوى، يجد كل من لا يزال على صلة – مباشرة أو ضمنية – بهذه الجماعة نفسه داخل دائرة الاستهداف، سياسياً وربما قانونياً.
هذه المعادلة الجديدة تجعل كلفة “الاستمرار في الوضع الراهن” باهظة جداً.
فمحاولة فك الارتباط لم تعد مجرد قرار إداري يُتخذ في مكتب، بل أصبحت عملية جراحية معقدة تهدف لتفكيك بنية نفوذ كاملة.
بنية تمتد من مراكز القرار إلى الميدان، مروراً بتشكيلات مسلحة ذات طابع عقائدي – كتائب وألوية داخل الجيش وخارجه – لا تتحرك وفق حسابات الدولة، بل وفق منطق مختلف، يزداد تشبثاً بمواقعه كلما اشتدت عليه رياح التغيير.
وهنا يصبح الخطر مضاعفاً: ليس فقط خطر العزلة الدولية إذا استمر الوضع على ما هو عليه، بل خطر الانفجار الداخلي إذا ما بادر أحدهم إلى تغييره.
المفارقة الأكثر إيلاماً أن كل هذا المشهد المتأزم يتجاهل طرفاً رئيسياً في المعادلة، طرفاً قد يكون المستفيد الأكبر من هذا المأزق.
فبينما تنشغل بورتسودان بمرآتها الداخلية، أين يقف حميدتي وقوات الدعم السريع من هذا كله؟
هل يتحولون إلى “حامي المصالح الإقليمية” الجديد في المنطقة؟
أم أن القرار سيدفع بعض فصائل الإسلاميين المحاصرة إلى البحث عن تحالفات جديدة تحت مظلة “عدو عدوي صديقي”، مما يعيد خلط الأوراق بطريقة أكثر تعقيداً وتدميراً؟
السؤال الذي يجب أن يُطرح الآن، ليس: ماذا يريد البرهان؟
بل: هل ما زال يملك القدرة على الاختيار أصلاً؟
لأن كل المؤشرات تقول إن هامش المناورة يتآكل بسرعة، وأن الخيارات التي كانت ممكنة بالأمس، لم تعد كذلك اليوم.
في النهاية، لا يتعلق الأمر بشخص البرهان، بل بطبيعة الدولة التي نريدها في السودان: دولة قرار أم دولة ولاءات؟
دولة مؤسسات أم دولة شبكات؟
القرار الأمريكي لم يصنع الأزمة، لكنه – بكل وضوح – عرّاها وسلّط عليها أضواء كاشفة لا ترحم.
وما يحدث الآن، ليس سوى صراع وجودي بين واقع قديم يتشبث بالحياة، ومستقبل لم يولد بعد، يتخبط في مخاض عسير.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.