في مشهدٍ تختلط فيه تكبيرات العيد بأصوات الانفجارات، استقبل السودانيون عيد الفطر هذا العام على وقع حرب مستمرة منذ منتصف أبريل 2023م، لتتحول المناسبة التي يُفترض أن تكون عنوانًا للفرح والتسامح إلى مرآة تعكس عمق المأساة الإنسانية واتساع رقعة الألم. وبينما تتجدد التهاني، تتصاعد الدعوات لوقف الحرب التي أنهكت البلاد ومزّقت نسيجها الاجتماعي.
أصدرت المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين بيانًا بمناسبة العيد، أكدت فيه أن ملايين السودانيين يستقبلون المناسبة وسط ظروف بالغة التعقيد..
عيد مثقل بالحسرة
لخّصت الكاتبة الصحفية رشا عوض هذا التناقض المؤلم بقولها إن العيد يأتي مثقلاً بالحسرة، في وطنٍ شاسعٍ موفور الخيرات، يمكن أن يسع الجميع بسلام وأمان، غير أن أبناءه ما زالوا يقتتلون على أرضه. وترى الكاتبة، في منشور لها، أن الحرب في جوهرها ليست مقدسة، بل تعبير كثيف عن الجانب المظلم في النفس البشرية، داعيةً إلى انتصار قيم العقلانية والإنسانية كمدخلٍ وحيد لإنهاء الصراعات، سواء في السودان أو في الشرق الأوسط.
وتتقاطع هذه الرؤية مع واقع إنساني قاسٍ تعيشه معسكرات النزوح واللجوء، حيث أصدرت المنسقية العامة لمعسكرات النازحين واللاجئين بيانًا بمناسبة العيد، أكدت فيه أن ملايين السودانيين يستقبلون المناسبة وسط ظروف بالغة التعقيد. ففي تلك المعسكرات، لا تُضاء الشوارع بزينة العيد، بل تُضاء القلوب بصبرٍ نافدٍ يقاوم الجوع والفقد والمرض.
معسكرات النزوح.. واقع مثقل بالألم
ويصف البيان العيد في المخيمات بأنه يحمل عبئين متناقضين: فرحًا روحيًا خافتًا، يقابله واقعٌ مثقلٌ بالألم. فالأسر التي فقدت أحبتها، أو شُرّدت من ديارها، تحاول أن تصنع لحظة فرح لأطفالها، رغم شح الغذاء وغياب الخدمات الأساسية. ومع ذلك، يبرز الأمل كعنصرٍ صامد، يتجلى في تضامن الناس، ودعوات الأمهات، وابتسامات الأطفال التي تتحدى قسوة الحياة.
المسيّرات لا تكترث بالمناسبات الدينية
في المقابل، لم تتوقف آلة الحرب حتى في أول أيام العيد، حيث شهدت مدينة الدبة انفجارات جديدة ناجمة عن هجمات بالطائرات المسيّرة، في تصعيدٍ خطير يعكس استمرار النهج العسكري دون اكتراث بالمناسبات الدينية أو الأوضاع الإنسانية. كما سقط قتلى وجرحى جراء قصف استهدف مستشفى الضعين، في حادثةٍ أثارت موجة غضب واسعة، باعتبارها انتهاكًا صارخًا لحرمة المرافق الطبية والمدنيين.
مطالبات بوقف الحرب
وسط هذا المشهد، تتعالى الأصوات السياسية والمجتمعية المطالبة بوقف الحرب فورًا. فقد تقدم القيادي في تحالف “صمود” وجدي صالح بتهانيه للشعب السوداني، مقرونةً بدعاءٍ صريح بأن يعم السلام والأمن والاستقرار البلاد، مؤكدًا أن العيد الحقيقي لن يكتمل إلا بإنهاء الحرب. كما شدد مركز الجاسر للتنمية والسلام، في تهنئته، على ضرورة وقف ما أسماها بالحرب “العبثية”، داعيًا إلى حقن الدماء والعمل الجاد لتحقيق سلام دائم وشامل، يعيد للسودان عافيته ويضع حدًا لمعاناة الملايين.
نداء للمجتمع الدولي
ولا يقتصر النداء على الداخل السوداني فحسب، إذ وجّهت المنسقية العامة للنازحين نداءً إلى المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية، محذّرةً من خطر تجاهل أكبر أزمة نزوح في العالم، ومؤكدةً أن التضامن الحقيقي يبدأ بالاعتراف بحقوق النازحين والعمل على معالجة جذور الأزمة، لا الاكتفاء بإدارة تداعياتها. ويبدو السودان في هذا العيد وكأنه يقف على مفترق طرق: إما الاستمرار في دوامة العنف، أو الانحياز إلى صوت العقل والإنسانية. وبينما تتساقط الضحايا وتُهدم البيوت، يبقى الأمل معقودًا على إرادة وطنية صادقة تضع حدًا لهذه الحرب، وتفتح صفحة جديدة عنوانها السلام.
العيد كما يجب أن يكون
فالعيد، كما يقول السودانيون، ليس مجرد طقس ديني، بل وعد بالحياة؛ وعدٌ بأن يعود الوطن آمنًا، وأن تتحول الخيام إلى بيوت، وأن يكتب السودانيون فصلًا جديدًا من تاريخهم، يكون خاليًا من الحرب ومفعمًا بالكرامة والإنسانية.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.