في خضم هذه الحرب، لم يعد ممكناً إخفاء المواقف أو التلاعب بها. فقد اختار كيزان السودان أن يقفوا في صف إيران، في موقف لا يمكن وصفه إلا بأنه سقوط أخلاقي وانكشاف سياسي كامل، حيث غلبوا انتماءهم الأيديولوجي ومصالحهم الضيقة على حساب مصلحة الوطن والشعب.
الدليل على هذا الاصطفاف لم يعد خافياً أو قابلاً للتأويل. تصريحات بعض قياداتهم، وعلى رأسهم الناجي عبد الله، جاءت واضحة في إعلان مناصرة إيران، وهو مرتدياً زي القوات المسلحة وسط الجنود، في لحظة تكشف بجلاء حجم الاختراق الفكري والسياسي داخل هذه القوات. ولم يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل تجاوز إلى تحريض مباشر وخطير، حين دعا أحد الضباط المنتمين إليهم—وهو عميد بالقوات المسلحة وطبيب سابق للرئيس المخلوع يُدعى طارق كجاب—إلى ضرورة استهداف إيران لمحطات تحلية المياه في دول الخليج، متحدثاً ببرود عن أن “90% من الخليجيين” قد يهلكون نتيجة لذلك. هذا الخطاب لا يعبر فقط عن موقف سياسي، بل عن انحدار أخلاقي مريع واستخفاف بحياة المدنيين.
في المقابل، فإن الحقائق على الأرض تقول شيئاً مختلفاً تماماً. فالعلاقة بين السودان ودول الخليج ليست علاقة طارئة أو مصلحية ضيقة، بل هي عمق تاريخي واستراتيجي راسخ. ملايين السودانيين يعملون في دول الخليج، ويعيلون أسرهم في ظل واقع اقتصادي خانق فرضته الحرب، ما يجعل مصلحة الشعب السوداني مرتبطة بشكل مباشر باستقرار هذه الدول وعلاقاتها مع السودان.
ولم تكن دول الخليج يوماً بعيدة عن السودان في محنه. فمنذ فيضانات عام 1988، مروراً بالكوارث اللاحقة، وصولاً إلى الحرب الحالية، ظل الدعم الخليجي حاضراً عبر الجسور الجوية والمساعدات الإنسانية. وفي هذه الأزمة، قدمت هذه الدول تسهيلات كبيرة للسودانيين، من استضافة وزيارات عائلية إلى ترتيبات الإقامة الاستثنائية، مثل إقامة الكوارث، في وقت ضاقت فيه السبل داخل الوطن.
ورغم هذا التاريخ، يخرج علينا الكيزان بمواقف معادية لدول الخليج، في تكرار لنفس النهج القديم الذي ظل يلازمهم منذ بدايات عهد الإنقاذ. فقد عُرف خطابهم العدائي منذ سنوات، حين كان بعض رموزهم الإعلامية يهاجمون دول الخليج وقادتها بشكل مستمر، فحديث الرائد يونس الذي كان يقدمه يومياً عبر راديو أم درمان ليس ببعيد، في تعبير واضح عن عداء أيديولوجي متجذر لا علاقة له بمصالح السودان.
إن ما يحدث اليوم ليس موقفاً عابراً، بل هو امتداد طبيعي لهذا النهج. الكيزان لا ينسون عداءهم القديم، ولا يتعلمون من دروس الواقع، ويواصلون وضع السودان في مواجهة مع محيطه الطبيعي، خدمةً لأجندات لا تمت بصلة لمصالح شعبه.
في النهاية، يجب التأكيد على أن هذا الاصطفاف لا يمثل الشعب السوداني، بل يمثل فئة أيديولوجية اختارت أن تضع نفسها خارج سياق التاريخ والجغرافيا. أما السودان الحقيقي، فمصالحه واضحة، وخياراته يجب أن تُبنى على ما يحفظ حياة شعبه واستقراره، لا على شعارات عابرة أو ولاءات أضاعت البلد وهدمته.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.