نفط السودان.. ثروة مهدرة بين السرية والفساد خلال حقبة الإنقاذ

تقرير: عين الحقيقة

منذ بدء تصدير النفط في السودان عام 1999، اتسمت إدارة هذا القطاع الحيوي بدرجة عالية من السرية، حيث لم تُعرض عقود الامتياز والاتفاقيات النفطية على البرلمان، كما لم تخضع لرقابة المراجع العام أو أي جهة مستقلة. هذا الغموض حوّل عائدات النفط إلى ملف مغلق داخل مؤسسات الدولة، ما أثار تساؤلات واسعة حول حجم الإنتاج الحقيقي ومصير الإيرادات، في ظل غياب الشفافية والمساءلة.

تقديرات تشير إلى أن عائدات النفط خلال عقدين تجاوزت 140 مليار دولار، إلا أن هذه الموارد لم تنعكس بشكل ملموس على قطاعات التنمية والخدمات الأساسية.

إدارة مركزية وهيمنة على القرار
برز خلال تلك الفترة اسم عوض أحمد الجاز كأحد أبرز المسؤولين عن ملف النفط، حيث تولى إدارة القطاع بصلاحيات واسعة، جعلت منه محوراً أساسياً في رسم السياسات النفطية. وتشير تقارير وتحليلات إلى أن القرارات المرتبطة بالإنتاج والتصدير والإيرادات كانت تُدار ضمن دائرة ضيقة، بعيداً عن المؤسسات الرقابية الرسمية.
عائدات ضخمة خارج مسار التنمية
تقديرات غير رسمية تشير إلى أن عائدات النفط خلال عقدين تجاوزت 140 مليار دولار، إلا أن هذه الموارد لم تنعكس بشكل ملموس على قطاعات التنمية والخدمات الأساسية. وعلى العكس، شهدت البلاد تدهوراً في مؤشرات الاقتصاد، بما في ذلك ارتفاع معدلات التضخم وتراجع الخدمات الصحية والتعليمية، ما عزز الاتهامات بوجود خلل كبير في إدارة هذه الموارد.
اتهامات بتهريب الأموال
في ظل غياب الشفافية، برزت اتهامات بتحويل جزء من عائدات النفط إلى حسابات خارجية عبر شبكات مالية معقدة، مع الإشارة إلى استخدام شركات واجهة ومراكز مالية إقليمية ودولية. ورغم تداول هذه الاتهامات على نطاق واسع، إلا أن مصير جزء كبير من هذه الأموال لا يزال غير واضح حتى الآن.
تقارير دولية تكشف الفجوات
كشفت تقارير صادرة عن منظمات دولية، من بينها Global Witness، عن وجود فروقات بين الأرقام الرسمية المعلنة للإنتاج النفطي وتلك الصادرة عن الشركات الأجنبية العاملة في السودان خلال سنوات مختلفة، ما أثار مزيداً من الشكوك حول دقة البيانات الحكومية وإدارة العائدات.
استرداد الأموال.. مسارات معقدة
يرى خبراء أن استعادة الأموال المنهوبة تتطلب خطوات قانونية ومؤسسية، من بينها فتح ملفات العقود النفطية وكشفها للرأي العام، وتفعيل اتفاقيات دولية مثل اتفاقية مكافحة الفساد التابعة لـ الأمم المتحدة، إلى جانب التنسيق مع الجهات الدولية لتتبع الأصول المالية في الخارج. كما يشددون على أهمية وجود إرادة سياسية حقيقية لضمان استعادة هذه الأموال باعتبارها حقاً للشعب.
النفط بين الفرصة الضائعة والتحدي المستقبلي
كان النفط يمثل فرصة استراتيجية لدفع عجلة التنمية في السودان، إلا أن طريقة إدارته خلال سنوات حكم النظام السابق حولته إلى مصدر جدل واسع، بدلاً من أن يكون ركيزة للنمو الاقتصادي. ويؤكد مراقبون أن معالجة هذا الملف تمثل خطوة أساسية نحو إصلاح الاقتصاد، واستعادة الثقة في مؤسسات الدولة، وضمان عدم تكرار التجربة مستقبلاً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.