كيف صنعت الحركة الإسلامية حرب السودان لتفرض نفسها من جديد

د التوم حاج الصافي زين العابدين

لم تعد الأسئلة في ملف السودان تدور حول من بدأ إطلاق النار، بل حول من استفاد من استمرارها. ومع تراكب الوقائع، يتكشّف أن الحرب لم تكن انفلاتاً غير مقصود، بل مساراً دُفع إليه بوعي من قوى رأت في الفوضى رافعة سياسية. في قلب هذا المسار تقف الحركة الإسلامية، لا كضحية إقصاء، بل كفاعل أشعل النار ليبيع نفسه لاحقاً بوصفه رجل الإطفاء الوحيد القادر على العمل وسط الرماد.
منذ اللحظة التي سقط فيها نظام البشير، فقدت الحركة الإسلامية شرعيتها الشعبية، وعجزت عن العودة عبر السياسة. كل المسارات المدنية كانت تعني نهايتها، وكل انتقال ديمقراطي كان يهدد شبكاتها الاقتصادية والأمنية. هنا تغيّر الخيار: إذا أُغلقت أبواب الشرعية، تُفتح أبواب الحرب. لم تكن العسكرة رد فعل، بل خياراً. ولم يكن طول أمد الصراع فشلاً، بل شرطاً لنجاح الخطة.
الوقائع الميدانية تشير إلى نمط ثابت: كلما اقتربت تسوية من تقليص نفوذ الإسلاميين، تعطّلت. كلما لاحت تهدئة تُعيد المدنيين إلى الواجهة، انفجر الميدان. ليست هذه فوضى عمياء، بل إدارة محسوبة للفوضى. حرب بلا حسم، لكنها كافية لإقناع الإقليم بأن البديل عن الحركة الإسلامية ليس دولة مدنية، بل انهيار شامل.
في هذا الفراغ، أعادت الحركة تقديم نفسها. لا كحزب، بل كشبكة. لا كأيديولوجيا، بل كخبرة دولة في زمن الانهيار. رفعت شعار “حماية الدولة” بينما كانت تحمي مشروعها فقط. قدّمت خطاب “الضرورة الأمنية” بعد أن ساهمت في تدمير شروط الأمن. هذه ليست عودة سياسية، بل إعادة تموضع إجرامي: خلق الأزمة ثم المتاجرة بحلها.
الدور المصري في هذا المشهد لا يُقرأ بعاطفة، بل بحساب بارد. القاهرة، التي تستأصل الإخوان في الداخل، تتعامل خارج حدودها بمنطق مختلف. الإسلاميون في السودان، من منظور أمني مصري، ليسوا خصماً عقائدياً بقدر ما هم ملف إدارة. الرسالة التي جرى تمريرها في قنوات الظل لم تكن تبرئة، بل توصيفاً: إقصاؤهم الكامل يطيل الحرب، واحتواؤهم مرحلياً قد يحدّ من الانفلات. القاهرة لم تُسوّق الحركة كحليف، لكنها سوّقت فكرة أن تجاهلها خطأ مكلف. هنا تحوّلت الخبرة المصرية في “الضبط” إلى حجة إقليمية.
أما الرياض، فقد دخلت الملف بعقلية ما بعد الشعارات. الأولوية انتقلت من الخصومة الأيديولوجية إلى تقليل الخسائر الاستراتيجية. السودان، بموقعه على البحر الأحمر، صار عبئاً أمنياً لا يحتمل التجارب. الخوف من دولة فاشلة على الضفة الغربية بات يفوق الخوف من الإسلام السياسي. السؤال تبدّل: ليس من يستحق الحكم، بل من يمنع الانهيار. وفي هذه المساحة الرمادية، وجدت الحركة الإسلامية طريقها للعودة، لا عبر اعتراف علني، بل عبر قبول صامت بكونها “شراً يمكن احتواؤه”.
الخطير أن هذا القبول لم يأتِ من مراجعة أو اعتذار أو تفكيك لشبكات الإجرام القديمة، بل من ابتزاز مباشر: حرب مستمرة مقابل فتح قنوات. الحركة الإسلامية لم تُخفِ منطقها؛ قالت للإقليم بوضوح عملي لا لغوي: إما نحن داخل المعادلة، أو نتركها تحترق. وهنا تكمن الجريمة السياسية: تحويل دماء السودانيين إلى ورقة تفاوض، وتحويل الوطن إلى رصيد ضغط.
ما يجري اليوم ليس تطبيعاً مكتملاً ولا تحالفاً نظيفاً، بل صفقة اضطرار في الظل: قنوات خلفية، اختبار سلوك، خفض شيطنة مقابل وعود ضبط. صفقة بلا ثقة، لكنها كافية لإعادة تعويم حركة لم تسقط أخلاقياً فقط، بل تلطّخت يداها بإشعال حرب لإعادة إنتاج نفسها. الحركة الإسلامية لم تدافع عن الدولة؛ ساومت بها. لم تحمِ المجتمع؛ استخدمته كرهينة. ولم تخض الحرب مكرهة؛ أشعلتها لأنها الطريق الوحيد للعودة.
في المحصلة، ملف الظل يقدّم قراءة واحدة لا لبس فيها: الحرب لم تكن قدراً، بل أداة. ومن أشعلها لم يفعل ذلك دفاعاً عن السودان، بل دفاعاً عن موقعه في الصفقة الإقليمية. والخطر الأكبر ليس في من استمع لهذا الابتزاز، بل في أن يُكافأ من دمّر الدولة لأنه نجح أولاً في دفعها إلى حافة الهاوية.

* خبير علاقات دولية .نيويورك..

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.