سلّطت مجلة “ناشيونال إنترست” الأمريكية الضوء على ما وصفته بنمط متكرر لاستخدام الأسلحة الكيميائية في السودان، مشيرةً إلى أن الحكومات المتعاقبة، وصولاً إلى القيادة الحالية للجيش بقيادة عبد الفتاح البرهان، تعاملت مع هذا السلاح المحظور باعتباره أداة يمكن استخدامها دون خشية من المساءلة الدولية. واعتبرت المجلة أن هذا السلوك يعكس غياب الردع الدولي، داعية الولايات المتحدة إلى اتخاذ موقف أكثر صرامة لإثبات عكس هذا التصور.
وبحسب التقرير، فإن الجيش السوداني استخدم الأسلحة الكيميائية في أكثر من مناسبة، وسط ما وصفته المجلة بـ”ضعف الاهتمام الدولي”، الأمر الذي سمح باستمرار هذه الانتهاكات دون ردع فعلي. ولفتت إلى أن السودان يُعد من الحالات النادرة في العصر الحديث التي تعيد إنتاج تكتيكات الحرب الكيميائية ذات الجذور الاستعمارية، بدءاً من فترة حكم الرئيس المعزول عمر البشير، وصولاً إلى المرحلة الراهنة.
وأشار التقرير إلى أن سجل السودان في هذا الملف يتضمن انتهاكات جسيمة للقانون الإنساني الدولي، دون محاسبة تُذكر، وهو ما أسهم – وفق المجلة – في ترسيخ هذا النهج. كما ربطت “ناشيونال إنترست” بين هذه الممارسات وبين ما وصفته بتأثيرات أيديولوجية داخل المؤسسة العسكرية، متحدثة عن حضور طويل الأمد لشبكات الحركة الإسلامية داخل الجيش وأجهزة الأمن.
وفي هذا السياق، تناول التقرير قرار الولايات المتحدة تصنيف جماعة الإخوان المسلمين السودانية كـ”كيان إرهابي عالمي”، مشيراً إلى أن هذا التصنيف يستند إلى اتهامات بترويج أيديولوجيا عنيفة، إلى جانب مزاعم بتلقي بعض عناصرها تدريبات ودعماً من الحرس الثوري الإيراني. واعتبرت المجلة أن هذا التطور يعكس مخاوف متزايدة بشأن طبيعة العلاقة بين المؤسسة العسكرية والتيارات الإسلامية في السودان.
ورغم التغييرات السياسية التي شهدتها البلاد منذ الإطاحة بالبشير في عام 2019، يرى التقرير أن البنية التنظيمية المرتبطة بالحركة الإسلامية داخل الجيش لا تزال قائمة، وهو ما – بحسب المجلة – يفسر استمرار اللجوء إلى وسائل قتال محظورة، من بينها الأسلحة الكيميائية.
واستعرضت “ناشيونال إنترست” نماذج سابقة، من بينها هجمات على منطقة جبل مرة في دارفور عام 2016، والتي وصفتها بأنها كانت جزءاً من سياسة ممنهجة وليست حوادث معزولة، مشيرة إلى سقوط مئات الضحايا، معظمهم من المدنيين، دون أن تترتب على ذلك عواقب قانونية أو عسكرية فورية على المسؤولين.
كما أشار التقرير إلى مزاعم باستخدام غاز الكلور في هجمات خلال عام 2024 في محيط منشآت حيوية، معتبراً أن ذلك يعكس “ترسيخاً مؤسسياً” لعتبة استخدام هذا النوع من الأسلحة. وفي ضوء ذلك، أعلنت الولايات المتحدة في أبريل 2025 فرض عقوبات على السودان بسبب هذه الانتهاكات، في خطوة دعمتها مواقف صادرة عن مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة.
ويرى التقرير أن استمرار ما وصفه بـ”العنف غير المقيد ضد المدنيين” ساهم في تصاعد الضغوط الدولية، وصولاً إلى تصنيف بعض الكيانات المرتبطة بالحركة الإسلامية، معتبراً أن العلاقة بين الجيش وهذه التيارات “متداخلة بشكل يصعب فصله”. ودعت المجلة إلى إعادة تقييم التعامل الدولي مع الجيش السوداني، بما في ذلك مسألة الاعتراف به كشريك في العملية السياسية.
وفي ختام التقرير، حذرت “ناشيونال إنترست” من أن الاستمرار في المسار التفاوضي، رغم تصاعد الانتهاكات على الأرض، قد يؤدي إلى إطالة أمد الأزمة، معتبرة أن تجاهل هذه المعطيات يمثل، في نظرها، شكلاً من أشكال الإسهام غير المباشر في استمرار معاناة الشعب السوداني.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.