لم يعد الحديث عن تفكيك دولة الإخوان في السودان ترفاً سياسياً أو شعاراً ثورياً يُرفع في المواكب، بل أصبح ضرورة وطنية لا تحتمل التأجيل. فالدولة التي بناها الإسلاميون على مدى ثلاثة عقود لم تكن مجرد نظام حكم، بل شبكة عميقة من التمكين امتدت إلى الجيش، والأمن، والاقتصاد، والقضاء، وحتى الوعي العام. ولهذا، فإن أي محاولة للنهوض بالسودان دون تفكيك هذه البنية ستكون كمن يبني على أرضٍ ملغومة.
لقد أثبتت التجربة، منذ سقوط نظام عمر البشير في 2019، أن بقاء هذه الشبكات داخل مفاصل الدولة هو السبب الرئيسي في تعطيل الانتقال، وإفشال فرص السلام، وإعادة إنتاج الأزمة بأشكال أكثر عنفاً. فالحرب التي يعيشها السودان اليوم ليست مجرد صراع على السلطة، بل هي في جوهرها نتيجة مباشرة لبقاء “الدولة العميقة” التي تتغذى على الفوضى وتستثمر في استمرارها.
دولة الإخوان لم تُبنَ على الكفاءة أو المؤسسات، بل على الولاء والتنظيم. تم إحلال كوادرها في الخدمة المدنية، وإعادة تشكيل الجيش والأجهزة الأمنية وفق عقيدة أيديولوجية، وتحويل الاقتصاد إلى شبكة مصالح مغلقة تخدم قلة على حساب شعب بأكمله. لذلك، فإن تفكيك هذه الدولة لا يعني فقط إبعاد أشخاص، بل تفكيك منظومة كاملة من الامتيازات والارتباطات التي تعيق أي تحول ديمقراطي حقيقي.
إن أخطر ما في هذه البنية أنها لا تظهر دائماً في العلن، بل تعمل من خلف الستار. تُعطل القرارات، تُفشل المبادرات، وتعيد توجيه الأحداث بما يخدم بقاءها. ولهذا، فإن أي تسوية سياسية لا تتضمن تفكيكاً حقيقياً لهذه الشبكات، ستكون مجرد هدنة مؤقتة قبل انفجار جديد.
تفكيك دولة الإخوان يتطلب إرادة سياسية شجاعة، مدعومة بوعي شعبي وضغط دولي. يبدأ ذلك بإصلاح المؤسسات العسكرية والأمنية على أسس وطنية مهنية، لا أيديولوجية. ويمتد إلى مراجعة شاملة للخدمة المدنية، واسترداد الأموال المنهوبة، وتفكيك الشبكات الاقتصادية التي ظلت لعقود تموّل النفوذ السياسي وتحميه.
لكن التفكيك وحده لا يكفي، بل يجب أن يتزامن مع مشروع وطني بديل، يؤسس لدولة مدنية قائمة على القانون، والمواطنة، والعدالة. دولة لا يُقصى فيها أحد بسبب انتمائه، ولا يُمكّن فيها أحد بسبب ولائه. دولة تعيد الثقة بين المواطن ومؤسساته، وتفتح الطريق أمام تنمية حقيقية تُنهي عقود الفقر والحروب.
قد يبدو هذا الطريق صعباً ومكلفاً، لكنه أقل كلفة بكثير من استمرار الوضع الراهن. فالإبقاء على دولة الإخوان، بصيغتها الحالية أو المعدلة، يعني ببساطة استمرار الحلقة الجهنمية من الانقلابات والحروب والانهيار.
السودان اليوم أمام لحظة تاريخية فاصلة: إما أن يقطع مع ماضي التمكين والهيمنة الأيديولوجية، أو يظل أسيراً له. ولا يمكن لهذا القطع أن يتم دون مواجهة صريحة مع جذور الأزمة، وعلى رأسها دولة الإخوان.
تفكيك هذه الدولة ليس انتقاماً، بل هو شرط للعدالة. وليس إقصاءً، بل هو إعادة تأسيس لوطن يسع الجميع. ومن دون هذه الخطوة، سيظل السؤال معلقاً: كيف يمكن أن ينهض السودان، بينما قيوده لا تزال في يديه؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.