وسط استمرار الحرب وصمت المفاوضات الدولية، يطرح ملف التفاوض الجزئي بين الأطراف المتحاربة في السودان سؤالاً كبيراً: هل هو مجرد تسوية لحماية مصالح محدودة، أم بوابة حقيقية نحو سلام شامل ينهي معاناة الملايين؟
وفي مؤشر إلى خطوات تفاوضية محدودة لكنها ملموسة، كشف موقع «دارفور 24» عن تفاهمات غير معلنة بين القوات المسلحة وقوات الدعم السريع، بعد وساطات دولية، تقضي بعدم استهداف مطاري الخرطوم ونيالا، لتسهيل وصول المساعدات الإنسانية.
وتشير المصادر إلى أن هذه التفاهمات جاءت بعد اتفاق سابق لتأمين منشآت النفط في هجليج، وضمان استمرارية الإنتاج، مع صيغة لتقاسم العائدات بوساطة دولة جنوب السودان.
وفي المقابل، وصف القيادي في تحالف «صمود»، خالد سلك، هذه الاتفاقيات بأنها خطوة إيجابية للحفاظ على البنية التحتية من الدمار، لكنه تساءل: لماذا تُرفض الهدنة الإنسانية الشاملة التي تحفظ حياة الناس كما تُحفظ المطارات وأنابيب النفط؟ ولماذا يُصوَّر التفاوض على وقف الحرب كخيانة عظمى، في حين تُنجز اتفاقات في جدة والمنامة لحماية مصالح استراتيجية؟
وأضاف سلك أن الحرب ستنتهي يوماً ما، وسيظهر حينها حجم الأكاذيب التي غطّت حقيقة من أشعلها واستفاد منها، دون مراعاة لمعاناة المواطنين.
ومن جانبها، ركزت الكاتبة الصحفية رشا عوض على تناقض المواقف بين الدعوة للتفاوض وتوجيه الاتهامات بالخيانة، مؤكدة أن هناك اتفاقات ناجحة على المطارات والنفط، بينما يُهاجم ويُخوَّن من يدعو لإنقاذ المدنيين وتوسيع دائرة الحوار السياسي.
وأشارت إلى أن هذه الخطوات الجزئية، رغم أهميتها، لا تضمن سلاماً شاملاً، إلا إذا ترافقت مع آليات لحماية المدنيين، وتأمين وصول المساعدات الإنسانية، وتوسيع المفاوضات لتشمل جميع الأطراف.
ويرى الناشط السوداني المعروف معمر موسى أن الحديث عن التحول الديمقراطي أو تطبيق الشريعة أو حماية السيادة الوطنية، في ظل فقر وجوع وفساد مستشرٍ، ليس إلا أدوات لتزييف الواقع وشرعنة السلطة القائمة.
وأضاف أن أي مشروع سياسي أو ديني لا يربط نفسه بتحسين حياة الناس الملموسة — من محاربة الفساد والمحسوبية إلى توفير التعليم والصحة — لا يمكن أن يكتسب شرعية حقيقية، مؤكداً أن هذا كان جوهر مشروع حزب الشعب السوداني.
ويرى محللون أن التفاوض الجزئي يحمل مفارقة واضحة: حماية البنية التحتية والمصالح الاقتصادية، مقابل استمرار معاناة المدنيين وفقدان الخدمات الأساسية. ويؤكدون أن نجاح هذه التفاهمات في تمهيد الطريق نحو سلام شامل يعتمد على قدرة الأطراف على تقديم مصلحة الشعب على المصالح الضيقة، وربط التفاوض بالعدالة الاجتماعية والاستقرار السياسي.
وفي ظل هذه المعطيات، يظل السؤال الأكبر قائماً: هل يتحول هذا التفاوض الجزئي إلى سلّم ينهي الأزمة، أم يظل مجرد غطاء لحماية مصالح محدودة، بينما يواصل السودانيون دفع ثمن الحرب والدمار؟
الإجابة، كما يرى مراقبون، مرهونة بمدى جدية الأطراف في تحويل هذه التفاهمات إلى حل شامل ومستدام، يحفظ دماء المدنيين ويعيد الدولة إلى مسار السلام.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.