التعايشي: من مستشفى نيالا التعليمي تعهدات بإصلاح جذري للقطاع الصحي

تقرير: عين الحقيقة

في ظل واقع صحي بالغ التعقيد فرضته سنوات الحرب وتداعياتها الإنسانية، برزت زيارة رئيس وزراء حكومة السلام والوحدة الوطنية، محمد حسن التعايشي، إلى مستشفى نيالا التعليمي بولاية جنوب دارفور، برفقة عدد من أعضاء مجلس الوزراء وقيادات حكومة الولاية، كإشارة سياسية وإنسانية مهمة تعكس اهتمام الحكومة بواقع الخدمات الصحية في الإقليم.

وجاءت الزيارة في وقت يواجه فيه القطاع الصحي بالسودان تحديات متفاقمة نتيجة الدمار الذي طال البنية التحتية الصحية، وتراجع الإمدادات الطبية، وضغط الأعداد الكبيرة من المرضى والنازحين على المؤسسات العلاجية.

ترحيب ومطالب

رحب رئيس الإدارة المدنية بولاية جنوب دارفور، يوسف إدريس يوسف، بزيارة رئيس الوزراء والوفد المرافق له إلى مستشفى نيالا التعليمي، الذي ظلت كوادره تقدم الخدمات في أصعب الظروف، إبان المواجهات المسلحة وبعد انتهاء المعارك، وفي ظل الدمار الذي طال المؤسسات الصحية.

وأشار إلى أن الولاية تواجه ضغطًا متزايدًا على الخدمات الصحية بسبب ارتفاع عدد السكان نتيجة النزوح، حيث ارتفع العدد من نحو 5 ملايين إلى ما يقارب 7 ملايين نسمة، في وقت تعاني فيه المستشفيات من نقص حاد في المعدات والإمدادات الطبية في كافة محليات الولاية، إضافة إلى حاجة مركز غسيل الكلى «الماسة» إلى مستهلكات الغسيل وصيانة الماكينات.

فيما استعرض مدير عام وزارة الصحة بالولاية، د. مصطفى عبد الله حسن البرمكي، جهود المبادرات الشبابية والكوادر الصحية التي أعادت الحياة إلى مستشفى نيالا التعليمي، الذي طاله الدمار والتخريب بسبب الحرب.

وأوضح البرمكي أن المستشفى تم تأهيله بنسبة تتراوح بين 60% و70% بجهود المنظمات والمبادرات، لكن بعض الأقسام المهمة ما زالت خارج الخدمة، من بينها: الأورام، العيون، الأنف والأذن والحنجرة، الأسنان، إلى جانب توقف عنابر الباطنية.

وأضاف أن المستشفى، رغم الخدمة المقدمة حاليًا، يشهد ضغطًا كبيرًا، خاصة في أقسام الولادة التي تستقبل ما بين 1000 إلى 1300 حالة شهريًا، داعيًا إلى التوسع في إنشاء مستشفيات بديلة وتأهيل المرافق الريفية لتخفيف العبء عن المركز الرئيسي.

أزمة صحية معقدة

أكد وزير الصحة الاتحادي بحكومة السلام والوحدة الوطنية، الدكتور علاء الدين نقد، أن القطاع الصحي في السودان يواجه تحديات كبيرة ومعقدة نتيجة تراكمات تاريخية طويلة، تفاقمت بصورة واضحة خلال سنوات الحرب.

وأوضح أن عددًا كبيرًا من البرامج الصحية الحيوية التي كانت تُدار على المستوى الاتحادي تعرض للتوقف بسبب تسييس الخدمة الصحية من قبل ما وصفها بمجموعة بورتسودان، من بينها خدمات علاج الأورام، وغسيل الكلى، وبرامج مكافحة الأمراض الوبائية مثل السل، إلى جانب الأزمات المرتبطة بالإمدادات الطبية، ما أدى إلى فجوات حادة في تقديم الرعاية الصحية.

وأشار الوزير إلى أن الحكومة تتبنى نهجًا شفافًا في التعامل مع هذه التحديات عبر الاعتراف بالمشكلات والعمل على معالجتها، مؤكدًا أن إصلاح القطاع الصحي يأتي في مقدمة أولويات الحكومة إلى جانب قطاع التعليم.

الكوادر الصحية خط الدفاع الأول

وأشاد وزير الصحة بالدور الكبير الذي تلعبه الكوادر الطبية والصحية في مختلف أنحاء البلاد، مشيرًا إلى أنها ظلت تقدم خدماتها رغم الظروف الصعبة، ليس فقط في تقديم العلاج، بل أيضًا في الحفاظ على استمرارية المؤسسات الصحية.

وقال إن الأطباء والعاملين في المجال الصحي يمثلون خط الدفاع الأول في مواجهة الأزمات الإنسانية والصحية، مؤكدًا التزام الحكومة بتحسين أوضاعهم المهنية وتوفير فرص التدريب والتأهيل، من خلال التنسيق مع عدد من الدول في الإقليم لفتح مسارات للامتحانات والتدريب الطبي.

إدانة استهداف المرافق الصحية

أدان وزير الصحة الاعتداءات التي طالت المستشفيات والمرافق الطبية خلال الحرب، واصفًا استهداف المنشآت الصحية بأنه انتهاك جسيم للقوانين الإنسانية الدولية، ويزيد من تعقيد الأزمة الصحية ويضاعف معاناة المواطنين.

وأكد أن الحكومة، رغم محدودية الموارد، تعمل على توسيع نطاق الخدمات الصحية تدريجيًا، بالتعاون مع الشركاء الإقليميين والدوليين، مع التوجه نحو زيادة الإنفاق على قطاع الصحة والخدمات الأساسية خلال المرحلة المقبلة.

صمود المستشفى في وجه الحرب

وخلال جولته داخل الأقسام المختلفة بالمستشفى، أشاد رئيس الوزراء بالدور البطولي الذي ظل يؤديه ما وصفه بـ«الجيش الأبيض» من أطباء وكوادر تمريضية وفنية وعاملين، مثمنًا صمودهم واستمرارهم في تقديم الخدمات الطبية رغم الظروف الأمنية والإنسانية القاسية التي مرت بها المدينة خلال سنوات الحرب.

وقال التعايشي إن الكوادر الصحية واصلت أداء رسالتها المهنية والإنسانية في أصعب الظروف، تحت تهديد القصف والرصاص وحالات النزوح، دون أن تتخلى عن المرضى، الأمر الذي يعكس مستوى عاليًا من المسؤولية والتفاني.

وأشار إلى أن مستشفى نيالا التعليمي ظل يمثل أحد أهم المراكز الصحية في إقليم دارفور، حيث يقدم خدماته لملايين المواطنين من داخل مدينة نيالا ومختلف ولايات الإقليم، إضافة إلى استقبال المرضى القادمين من دول الجوار مثل تشاد وأفريقيا الوسطى وجنوب السودان، رغم محدودية الإمكانيات والضغط الكبير على النظام الصحي.

تحديات متراكمة

وأكد رئيس الوزراء أن التحديات التي تواجه المستشفى لا ترتبط بالحرب وحدها، بل تعود أيضًا إلى عقود طويلة من ضعف الاستثمار في القطاع الصحي وعدم التوازن التنموي بين الأقاليم، ما أدى إلى فجوة كبيرة بين حجم الخدمات الطبية المتوفرة واحتياجات السكان المتزايدة.

وشدد على أن الحكومة الانتقالية تسعى إلى إحداث تحول حقيقي في القطاع الصحي، من خلال إعادة بناء النظام الصحي على أسس عادلة تربط بين حجم السكان ومستوى الخدمات المقدمة، مع منح أولوية خاصة للمناطق التي عانت من التهميش التاريخي.

كما دعا التعايشي المنظمات الدولية والإقليمية إلى مضاعفة دعمها للقطاع الصحي في السودان، وتسهيل وصول المساعدات الإنسانية، مؤكدًا أن الصحة مسؤولية إنسانية عالمية تتطلب تضافر الجهود الدولية لدعم المجتمعات المتأثرة بالحروب والأزمات.

نحو نظام صحي عادل

واختتم المسؤولان تصريحاتهما بالتأكيد على أن الهدف الاستراتيجي للحكومة يتمثل في بناء نظام صحي عادل وشامل يضمن وصول جميع السودانيين إلى الخدمات الطبية دون تمييز، باعتبار أن الصحة حق إنساني أساسي لا يجوز تسييسه أو حرمان أي مواطن منه.

وتعكس زيارة رئيس الوزراء لمستشفى نيالا التعليمي رسالة تقدير للكوادر الصحية التي ظلت تعمل في الخطوط الأمامية للأزمة، كما تمثل خطوة نحو تسليط الضوء على الواقع الصحي في مناطق النزاع، والدفع باتجاه دعم دولي أوسع لإنقاذ القطاع الصحي في السودان.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.