شهد السودان خلال الفترة الانتقالية واحدة من أكثر القضايا إثارة للجدل، وهي مسألة إزالة التمكين التي ارتبطت بجهود تفكيك بنية النظام السابق واسترداد الأموال العامة.
فقد جاءت لجنة إزالة التمكين كأداة سياسية وقانونية تهدف إلى معالجة تراكمات عقود من الفساد والمحسوبية، إلا أن حلّها لاحقًا أثار تساؤلات عميقة حول مصير تلك الجهود، ومدى جدية الدولة في مواصلة محاربة الفساد.
ورغم الأهداف المعلنة، لم تخلُ تجربة لجنة إزالة التمكين من إخفاقات أثرت في أدائها ومصداقيتها.
فقد وُجهت انتقادات تتعلق بغياب الضوابط القانونية المحكمة في بعض القرارات، مما أدى إلى فتح الباب أمام الطعون القضائية وإعادة بعض الممتلكات المصادرة.
كما أُخذ عليها التسرع أحيانًا في إصدار قرارات قبل اكتمال التحريات، الأمر الذي أضعف من متانتها القانونية.
وإلى جانب ذلك، طالتها اتهامات بالتسييس، حيث رأى البعض أن بعض قراراتها تأثرت بحالة الاستقطاب السياسي، وهو ما انعكس سلبًا على صورة العدالة الانتقالية وأضعف ثقة الرأي العام في حياديتها.
إن إعداد وتجهيز ملفات الفساد يُعد خطوة محورية في أي مسار جاد للعدالة الانتقالية.
فهذه الملفات لا تتعلق فقط باسترداد الأموال، بل أيضًا بإرساء مبدأ سيادة القانون وضمان عدم الإفلات من العقاب.
غير أن التحدي الحقيقي يكمن في إدارة هذه الملفات بمهنية وشفافية، بعيدًا عن التوظيف السياسي أو تصفية الحسابات، حتى لا تتحول العدالة إلى أداة صراع بدلاً من أن تكون وسيلة إنصاف.
في سياق متصل، يبرز البعد الدولي، خاصة مع تزايد الحديث عن توجهات أمريكية بتصنيف جماعة الإخوان المسلمين كمنظمة إرهابية.
مثل هذا القرار ينعكس على المشهد السياسي السوداني، نظرًا للتداخلات التاريخية بين بعض مكونات النظام السابق والحركات الإسلامية.
ومع ذلك، فإن الاعتماد على التصنيفات الخارجية لا ينبغي أن يكون بديلاً عن المعالجة الداخلية القائمة على القانون والمؤسسات الوطنية.
أما مسألة التعاون مع الولايات المتحدة أو غيرها من الدول في كشف وتتبع الأموال المنهوبة، فهي تظل سلاحًا ذا حدين.
فمن جهة، يمكن أن يوفر هذا التعاون دعمًا فنيًا وتقنيًا مهمًا، خاصة في ما يتعلق بتتبع الأموال العابرة للحدود واستردادها.
ومن جهة أخرى، يثير مخاوف مشروعة لدى البعض من الانزلاق نحو التبعية أو الوقوع في دائرة ما يُوصف بـ”العمالة”، في ظل تاريخ معقد من التدخلات الخارجية.
وفي ضوء هذه التحديات، تبرز الحاجة إلى تبني مقاربات بديلة وأكثر توازنًا لمعالجة ملف الأموال المنهوبة.
ويأتي في مقدمة هذه المقاربات تعزيز دور القضاء المستقل ليكون المرجعية الأساسية في قضايا الفساد، وفق إجراءات قانونية راسخة تضمن العدالة والشفافية.
كما يمكن إنشاء مفوضية مستقلة لمكافحة الفساد تتمتع بصلاحيات واضحة ورقابة مؤسسية، بما يضمن استمرارية الجهود بعيدًا عن التقلبات السياسية.
كذلك، فإن الاستفادة من الآليات الدولية في استرداد الأصول، عبر التعاون مع المؤسسات المالية والاتفاقيات الدولية، يمكن أن تكون خطوة فعالة إذا ما تمت ضمن إطار قانوني يحفظ السيادة الوطنية.
ولا يقل أهمية عن ذلك العمل على الإصلاح المؤسسي، عبر إغلاق منافذ الفساد وتعزيز الشفافية والرقابة، حتى لا يتكرر نزيف المال العام في المستقبل.
إن التحدي الحقيقي أمام السودان لا يكمن فقط في تفكيك إرث الماضي، بل في بناء مستقبل قائم على العدالة وسيادة القانون.
وتحقيق هذه الغاية يتطلب معادلة دقيقة؛ الاستفادة من الدعم الدولي دون التفريط في القرار الوطني، ومواصلة مكافحة الفساد عبر مؤسسات مستقلة وقضاء نزيه، بعيدًا عن الاستقطاب السياسي.
فبناء الدول لا يتم بالشعارات، بل بإرادة سياسية صادقة وإجراءات عملية تضمن المحاسبة وتؤسس لمرحلة جديدة من الثقة والاستقرار.
Next Post
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.