كيف صنعت دولة الجلابة أصنامها؟

دكتور الوليد آدم مادبو

 

ليست أزمة السودان في فقر الموارد، ولا في غياب العقول، ولا حتى في الحروب وحدها، بل في بنية ثقافية كاملة ظلت، منذ فجر الاستقلال، تعيد إنتاج النخب نفسها وتفرضها على الوعي الجمعي بوصفها قدَرًا لا يجوز الاعتراض عليه. لقد نجحت دولة المركز النيلي —أو ما بات كثيرون يسمونها بدولة الجلابة— في بناء أخطر أدوات الهيمنة: صناعة الأصنام.

ولم تكن هذه الأصنام دائمًا من طين السياسة وحدها، بل صُنعت أحيانًا من العمائم، وأحيانًا من الشعر، وأحيانًا من اللغة، وأحيانًا من “الكاريزما” الاجتماعية التي تُسوَّق بوصفها عبقرية استثنائية. *وهكذا تحولت الثقافة السودانية الحديثة إلى ما يشبه المعبد الكبير*؛ تُوزَّع فيه ألقاب الإمامة والفكر والعبقرية والوطنية كما تُوزَّع صكوك الغفران، بينما يُنظر إلى أي محاولة للفحص أو النقد باعتبارها خروجًا عن الجماعة الوطنية نفسها.

كانت الهيمنة الثقافية، في جوهرها، أدهى من الهيمنة العسكرية والسياسية، لأنها استطاعت تحويل التفوق الاجتماعي المصنوع إلى حقيقة نفسية مستقرة في وعي الناس. فالسياسي الفاشل يصبح “زعيمًا تاريخيًا”، والمثقف المحدود يتحول إلى “ضمير الأمة”، والأديب الذي لم يغادر أفق بيئته الضيقة يُسوَّق بوصفه ممثلًا للإنسانية كلها، ثم ينشأ جيل كامل يخشى الاقتراب من هذه التماثيل خوفًا من الرجم الثقافي والاجتماعي.

ولأن أي أمة جادة لا يمكن أن تبني مستقبلها على التبجيل الأعمى، فلا بد من إعادة إخضاع الشخصيات العامة لميزان الفحص الموضوعي. *وأي شخصية عامة —مهما علت هالتها— ينبغي أن تخضع لخمسة معايير أساسية*: السلامة النفسية والأهلية العقلية، تليها الكفاءة الأخلاقية والطاقة الروحية، ثم الخلفية العلمية والقدرات المهنية، وصولًا للملكة القيادية والرؤية المستقبلية، التي ترتبط ارتباطًا وثيقًا بعنصر التوفيق اللإهي الذي لا يملكه البشر بل تجري به المقادير.

المشكلة ليست في أن بعض الشخصيات قد تخفق في معيار أو أكثر، فذلك شأن بشري طبيعي، وإنما في تحويل شخصيات كثيرة إلى “مرجعيات مقدسة” رغم عجزها الفاضح عن اجتياز أبسط اختبارات الكفاءة. وهنا تحديدًا تبدأ صناعة الصنم.

لقد عاش السودان طويلًا تحت سطوة زعامات سياسية جرى تضخيمها بصورة تتجاوز حصيلتها الفعلية بكثير. فالصادق المهدي والترابي مثلًا لم يُقدَّما بوصفهما مجرد سياسيين، بل باعتبارهما عقلين استثنائيين ورؤيتين تاريخيتين لإنقاذ البلاد. لكن *التمحيص الدقيق يكشف فجوة هائلة بين الهالة والنتيجة*. إن الأزمة لا تكمن فقط في الإخفاق السياسي، بل في تضخم الهالة الرمزية حول شخصيات لم تكن، عند الفحص الحقيقي، بذلك العمق الذي سُوِّقت به. فالصادق المهدي الذي ظل يُقدَّم بوصفه “عقل أكسفورد” لم يتخرج أصلًا من أوكسفورد، والترابي الذي أُحيط بهالة الفيلسوف الإسلامي لم ينل دكتوراه من السوربون كما يتوهم كثيرون، بل كانت درجته الأكاديمية في حدود الـ M.Phil. ومع ذلك نجحت ماكينة المركز في تحويلهما إلى ما يشبه الكائنات فوق النقد، رغم أن المنافسة الصفرية بينهما كانت أحد الأسباب الكبرى في إيصال السودان إلى هذا الخراب.

ولم يكن الأمر مختلفًا كثيرًا في المؤسسة العسكرية؛ فقد جرى تسويق عبود والنميري وكثير من ضباط تلك الحقبة بوصفهم أبطالًا قوميين، بينما كانت البلاد تُدار في كثير من الأحيان بعقلية التبعية الإقليمية والولاءات الخارجية أكثر من عقلية المشروع الوطني المستقل. غير أن ماكينة الدعاية المركزية كانت دائمًا أبرع في صناعة البطولة الرمزية من صناعة النهضة الحقيقية.

أما الحقل الثقافي، فهو ربما أكثر الحقول التي مارست فيها الهيمنة فعلها الناعم والخطير. فقد جرى تقديم بعض الأسماء الأدبية والفكرية باعتبارها قممًا لا يجوز الاقتراب منها، بينما *كانت كتابات كثيرة تعيد إنتاج التراتبية العرقية والثقافية نفسها التي حكمت السودان لعقود طويلة*. لقد كانت العنصرية، في كثير من نصوص النخبة النيلية، لا تظهر دائمًا في شكل شتائم مباشرة، بل في تصور ضمني يرى المركز أصلًا للحضارة واللغة والذوق، بينما يُختزل الهامش في صورة الفطرة الخام أو المادة الإثنوغرافية أو المشهد الفولكلوري.

ولهذا فإن الاحتفاء المبالغ فيه ببعض رموز الأدب السوداني لم يكن بريئًا تمامًا، بل كان جزءًا من إعادة إنتاج صورة السودان التي يحب المركز أن يراها عن نفسه. لقد تحوّل الطيب صالح، بفعل الدعاية الثقافية السودانية والعربية، إلى ما يشبه الصنم الأدبي الأعلى، حتى خُيّل لأجيال كاملة أن الرواية السودانية تبدأ منه وتنتهي عنده. غير أن هذا الاحتفاء الكثيف كان، في جانب منه، جزءًا من آلية الهيمنة الثقافية نفسها؛ إذ جرى تقديم صورة “السوداني المقبول” للذائقة العربية عبر نصوص تنتمي، في عمقها، إلى رؤية المركز النيلي للعالم.

ولعل التعبير الأكثر قسوة، وربما الأكثر استفزازًا، ما قاله أحمد حسب الله الحاج (الصورة أعلاه) حين وصف الطيب صالح بأنه: “عبقري الرواية العربية الذي لم يكتب رواية واحدة”!

وفي المقابل ظل إبراهيم إسحاق، في نظر كثيرين، أكثر صدقًا وعمقًا وجذرية في التعبير عن الهامش السوداني وتعقيداته الإنسانية. ففي كتابته نبض الأرض، وتعقيد الإنسان السوداني الحقيقي، لا ذلك “الآخر” المصنوع لإمتاع النخب الحضرية. بل إن فقرة واحدة من عالم إبراهيم إسحاق الروائي قد تبدو أكثر كثافةً وصدقًا من عشرات الصفحات التي صنعت شهرة الطيب صالح العربية.

أما عبدالله الطيب، فعلى جلالة معرفته اللغوية، فقد ظلت لغته مثقلة بالتراث إلى حد أعاق قدرتها على الانفتاح على أفق حداثي حي، في حين جرى التعامل معه بوصفه ذروة نهائية لا يجوز تجاوزها. وكذلك الحال مع علي المك، الذي احتفت به نخب الخرطوم احتفاءً يفوق كثيرًا القيمة الفعلية لما كتب. فقد كانت كتاباته، في أحسن أحوالها، نصوصًا مسلية وخفيفة الظل، لكنها تفتقر إلى العمق الفكري أو التجديد الجمالي الذي يصنع أدبًا مؤسسًا أو مشروعًا إبداعيًا كبيرًا. غير أن المركز، كعادته، لا يبحث دائمًا عن العبقرية بقدر ما يبحث عن الأصوات القابلة للتدوير داخل شبكته الاجتماعية والثقافية.

لم تكن دولة الجلابة تنتج العظماء بقدر ما كانت تنتج “الهالات المقدسة”. وحول هذه الهالات نشأت طبقة كاملة من الكهنة والحراس الذين يقتاتون على بقاء الأصنام. فكم من مثقف كان يعلم هشاشة الرمز الذي يدافع عنه، لكنه ظل يزينه للناس لأن بقاء الصنم يضمن استمرار الامتيازات والشبكات الاجتماعية التي يعيش داخلها. ولهذا لم يكن غريبًا أن تصر قطاعات من نخب الخرطوم على استخدام ألقاب دينية وتاريخية لشخصيات تعرف في قرارة نفسها أنها لا تستحقها، فقط لأن تلك الألقاب جزء من هندسة الهيمنة الرمزية على الوعي السوداني.

إن محاولة الحفاظ على هذا الإرث البالي، لا سيما محاولة إحياء الأحزاب التقليدية مثلًا، ليست سوى محاولة يائسة لإنعاش جسد استنفد شروط بقائه التاريخي. إذ *لا يمكن لبنية قامت على الولاء الوراثي والقداسة الاجتماعية أن تؤسس دولة علمانية حديثة*. ولذلك فإن مستقبل الهامش لا يكمن في التوسل لمقاعد داخل هذه المعابد القديمة، بل في بناء أحزابه ونقاباته وتحالفاته الخاصة، بعيدًا عن وصاية المركز وعن هيمنة النخب النيلية.

ولعل أكثر ما يثير السخرية أن الهامش، الذي صُوِّر طويلًا باعتباره أسير الخرافة، كان أحيانًا أكثر قدرة على تفكيك الأسطورة من المركز نفسه. وتكفي تلك الحكاية الشعبية القديمة عن المرأة البقارية التي سمعت رجالًا في معية زوجها الجلابي يتحدثون بإجلال عن واقعة جلد الشيخ عبدالمحمود “راجل طابت”، والذي أمر الخليفة عبدالله التعايشي بجلده مئة جلدة، فلما حان موعد التنفيذ تحمّل عنه مئةٌ من الأولياء المتوفين، بحيث تلقى كلُّ وليٍّ جلدةً واحدة نيابةً عن الشيخ رضي الله عنه. فلم يكن منها إلا أن زغردت ساخرة: “عفيت منك أبو عتمان، جلدتهم حيين وميتين”. لم تكن تلك المرأة تمارس تنظيرًا فلسفيًا أو نقدًا إبستمولوجيًا معقدًا، لكنها كانت، بعفوية الريف، تهدم سلطة الخرافة بالسخرية الفطرية، وتفضح قدرة المركز على صناعة الأحاجي لحماية رموزه.

ختامًا، إن أول خطوة نحو بناء أمة سودانية حديثة لا تبدأ بإسقاط الجنرالات وحدهم، بل بإسقاط البنية النفسية التي تصنع الآلهة من البشر. فلا يمكن لشعب أن يدخل المستقبل وهو ما يزال يحمل معابده القديمة فوق ظهره. إن تحرير السودان لا يعني فقط إعادة توزيع السلطة والثروة، بل إعادة توزيع الشرعية الرمزية نفسها، بحيث لا يعود النسب، ولا الطائفة، ولا اللغة، ولا القرب من المركز، كافيًا لصناعة “الإمام” و”المفكر” و”الأديب القومي”.

لقد كفر كثير من السودانيين، خاصة شباب الهامش، بآلهة المركز القديمة، ولم يعودوا يرون في تلك الأسماء قدرًا تاريخيًا لا يُرد. وهذا، في حد ذاته، ربما يكون أول المؤشرات الحقيقية على : سودان تُقاس فيه الشخصيات بإنجازها لا بهالتها، وبقدرتها على خدمة الناس لا بقدرتها على إخافتهم رمزيًا.

اتركوا عبادة الأصنام، فالشعوب لا تُبنى بالقداسة، بل بالنقد.

‏May 18, 2026

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.