كيف أشعل الإسلاميون الحروب الأهلية في دارفور؟

تقرير: عين الحقيقة

منذ عقود، ظلت العلاقة بين الدين والسياسة في السودان موضع جدل واسع، غير أن أخطر ما نتج عن هذه العلاقة كان توظيف الهوية القبلية في الصراع السياسي. فقد اتجهت الحركة الإسلامية، منذ وصولها إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989، إلى استخدام القبيلة كأداة لتعزيز النفوذ السياسي والعسكري، وهو نهج ترك آثاراً عميقة على بنية المجتمع، وأسهم في توسيع دائرة النزاعات والحروب الأهلية.

اعتمدت السلطة آنذاك على سياسات تقوم على تسليح بعض المجموعات القبلية أو دعمها سياسياً وأمنياً، في مقابل تحجيم قبائل أو مجموعات أخرى..

في بدايات حكمها، رفعت الحركة الإسلامية شعارات الدولة الدينية والمشروع الحضاري، غير أن الواقع السياسي فرض عليها البحث عن أدوات اجتماعية لضمان السيطرة على الأرض والموارد والسلطة. وهنا برزت القبيلة باعتبارها البنية الاجتماعية الأكثر تأثيراً في كثير من مناطق السودان، خاصة في الأقاليم الهشة مثل دارفور وكردفان وشرق السودان.

اعتمدت السلطة آنذاك على سياسات تقوم على تسليح بعض المجموعات القبلية أو دعمها سياسياً وأمنياً، في مقابل تحجيم قبائل أو مجموعات أخرى. وقد أدى هذا النهج إلى تفكيك النسيج الاجتماعي الذي كان يقوم تاريخياً على التعايش والتوازنات المحلية، وحوّل الخلافات التقليدية حول الموارد أو الأراضي إلى صراعات مسلحة ذات أبعاد سياسية.

وفي دارفور تحديداً، شكّلت هذه السياسات أحد العوامل التي عمّقت الأزمة منذ مطلع الألفية الجديدة. فبدلاً من معالجة جذور النزاع المتعلقة بالتنمية والعدالة وتوزيع الموارد، جرى تأجيج التنافس القبلي، وتحويل بعض المكونات الاجتماعية إلى أطراف في صراع مسلح يخدم أهداف السلطة المركزية.. ومع مرور الوقت، خرجت هذه الصراعات عن السيطرة، واتسعت رقعتها لتشمل مناطق جديدة.

استغلال الانتماءات القبلية في الصراع السياسي لا يضر بالمجتمع فحسب، بل يضعف المؤسسات الوطنية

إن أخطر ما في توظيف القبيلة سياسياً هو أنه يضرب أساس الدولة الوطنية الحديثة. فالدولة التي تقوم على المواطنة المتساوية لا يمكن أن تُدار بمنطق الاصطفاف القبلي، لأن ذلك يؤدي إلى خلق شعور دائم بالظلم والتهميش لدى المجموعات الأخرى، وهو ما يغذي دورة العنف ويجعل السلام أكثر صعوبة.

كما أن استغلال الانتماءات القبلية في الصراع السياسي لا يضر بالمجتمع فحسب، بل يضعف المؤسسات الوطنية نفسها؛ فعندما تصبح الولاءات القبلية بديلاً عن الكفاءة أو القانون، تتراجع هيبة الدولة، وتتآكل قدرتها على إدارة التنوع بصورة عادلة. اليوم، وبعد سنوات طويلة من الصراعات، بات واضحاً أن السودان يحتاج إلى مراجعة جذرية لهذه التجربة. فالخروج من دوامة الحروب الأهلية يتطلب بناء مشروع وطني جديد يقوم على المواطنة والعدالة وسيادة القانون، بعيداً عن استغلال الدين أو القبيلة في الصراع على السلطة.

إن السلام الحقيقي الذي تسعى «تأسيس» إلى جعله واقعاً في السودان الجريح، لن يتحقق إلا عندما تتحول القبيلة من أداة سياسية تُستخدم في النزاعات إلى مكوّن اجتماعي وثقافي يُحترم ضمن إطار الدولة الوطنية الجامعة.

وفي ظل التحديات الراهنة، يبقى هذا التحول شرطاً أساسياً لوقف نزيف الدم، وإعادة بناء الثقة بين مكونات المجتمع السوداني، وبناء دولة الحقوق والمواطنة والمساواة بين أبناء الشعب السوداني، بعيداً عن زجّ القبيلة التي ظلت الحركة الإسلامية في عهد الإنقاذ تستخدمها كأداة لتنفيذ أجنداتها السياسية من أجل بقائها في سدة الحكم.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.