رهان محفوف بالمخاطر: هل تتجاهل السعودية تناقضاتها في السودان؟
د. التوم حاج الصافي زين العابدين
تبدو المملكة العربية السعودية اليوم وكأنها تعيد تموضعها في السودان عبر دعم القوات المسلحة السودانية باعتبارها “مؤسسة وطنية”. لكن هذا الموقف يفتح الباب أمام تساؤل حاد: هل هو دعم للاستقرار… أم تجاهل لحقائق أكثر إزعاجًا؟
المملكة نفسها لم تتردد في إعلان موقف واضح من جماعة الإخوان المسلمين، واعتبارها تهديدًا أمنيًا وفكريًا، كما رحبت بتصنيفها ضمن التنظيمات الإرهابية. هذا الموقف لم يكن عابرًا، بل تأسس على قناعة بأن هذه الجماعات لا تعمل فقط في السياسة، بل تسعى للتغلغل داخل مؤسسات الدولة وإعادة توجيهها من الداخل.
لكن المفارقة أن هذا الفهم نفسه يبدو غائبًا – أو على الأقل غير حاضر بالقدر الكافي – في التعاطي مع الملف السوداني. فالدعم غير المشروط لمؤسسة عسكرية في بلد عانى طويلًا من تداخل السياسة والتنظيمات الأيديولوجية داخل الجيش، يثير شكوكًا مشروعة حول دقة التقدير.
الحديث عن “جيش وطني خالص” في السودان يتجاهل تاريخًا معقدًا، حيث لعبت الحركة الإسلامية السودانية دورًا مؤثرًا داخل مفاصل الدولة، بما فيها المؤسسة العسكرية. هذا الإرث لا يمكن محوه بقرار، ولا تجاهله بخطاب سياسي.
ما يحدث فعليًا هو رهان على الشكل بدل المضمون. فبدلًا من تفكيك بنية النفوذ داخل المؤسسات، يتم التعامل مع الواجهة الرسمية وكأنها تعكس الحقيقة كاملة. وهذا النوع من الرهانات غالبًا ما ينتهي بنتائج عكسية، لأن ما هو غير مرئي هو الأكثر تأثيرًا.
قد تقول المملكة العربية السعودية إنها تتحرك وفق منطق الدولة: منع الانهيار، الحفاظ على الاستقرار، وتجنب الفوضى. لكن السؤال الأهم: أي استقرار يمكن بناؤه إذا كانت مراكز التأثير داخل المؤسسة نفسها محل جدل؟
إن تجاهل تعقيدات الداخل السوداني لا يلغيها، بل يؤجل انفجارها. وأخطر ما في هذا المسار أنه قد يعيد إنتاج الأزمة بدل حلها، عبر دعم هياكل لم تُحسم هويتها بالكامل.
في نهاية المطاف، لا يختلف السودانيون على المبدأ: الجميع يريد مؤسسة عسكرية مهنية، غير متحزبة، تقف على مسافة واحدة من كل الأطراف وتحمي الدولة لا أي مشروع سياسي. لكن المفارقة المؤلمة أن هذه الأمنية نفسها تُقابل – في كثير من الأحيان – بردود تحمل نفس خطاب جماعة الإخوان المسلمين، حيث يُستدعى قاموس التشكيك والتخوين بدلًا من النقاش الموضوعي. هذا الأسلوب، المعروف والمكرّر، لا يجيب على الأسئلة بل يهرب منها، ولا يعالج الأزمة بل يعمّقها. الأخطر من ذلك أن استمرار هذا النهج يضع القوات المسلحة السودانية أمام معضلة حقيقية: إما الاعتراف بوجود أزمة داخلية والعمل على إصلاحها، أو الاستمرار في الإنكار حتى تتحول هذه الأزمة إلى قاصمة ظهر تقوّض ثقة المجتمع الدولي الذي صنّف جماعة الإخوان المسلمين كتنظيم إرهابي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.