المسافة الصفرية بين الدولة واللادولة القوى المدنية السودانية في مواجهة “بروباغندا” الشيطنة الكيزانية
محمد صالح محمد
تشهد الساحة السياسية السودانية منذ سقوط نظام الثلاثين من يونيو معركة لا تقل ضراوة عن دوي المدافع؛ وهي معركة “صناعة المتخيل الشعبي” وصياغة الرأي العام عبر أدوات التضليل الممنهج. ففي قلب الأزمة الراهنة يقف الصراع بين القوى المدنية وبين تيار “الإسلامويين” (الكيزان) كصراع وجودي يتجاوز التنافس السياسي التقليدي إلى مرحلة “الاغتيال المعنوي” وتشويه الهوية الوطنية للآخر.
أولاً: بنية التشويه من “العلمانية” إلى “العمالة”
لم تكن استراتيجية الكيزان في مواجهة القوى المدنية وليدة الصدفة بل هي امتداد لمدرسة “التمكين” التي تقوم على إقصاء الخصم عبر وصمه أخلاقياً ودينياً. فبعد ثورة ديسمبر 2018 انتقلت الماكنة الإعلامية للنظام البائد من مرحلة الدفاع إلى الهجوم المضاد مستخدمةً ترسانة من المصطلحات التي تهدف إلى عزل القوى المدنية عن قاعدتها الشعبية:
نزع الوطنية (العمالة للخارج): تصوير التحركات الدبلوماسية للمدنيين على أنها ارتهان لمحاور أجنبية في مفارقة عجيبة لتيار قضى عقوداً في مقايضة السيادة الوطنية للبقاء في السلطة.
الاستهداف القيمي: ربط الأجندة المدنية بـ”تفكيك قيم المجتمع السوداني”، وهي الورقة الرابحة التي يلعب بها الكيزان لدغدغة عواطف الفئات التقليدية.
ثانياً: استغلال الحرب “الحاضنة السياسية” ككبش فداء
مع اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل وجد الكيزان ضالتهم المنشودة لإتمام مخطط “شيطنة المدنيين” لقد تم اجتزاء مواقف القوى المدنية الرافضة للحرب وتحويلها في الخطاب التعبوي إلى “تغطية سياسية” للمليشيا
هذا النوع من التضليل الاستراتيجي يهدف إلى ضرب عصفورين بحجر واحد
تحميل القوى المدنية التكلفة الأخلاقية والسياسية للدمار الناتج عن الحرب.
خلق قطيعة نفسية بين المواطن البسيط وبين دعوات التحول الديمقراطي عبر الإيحاء بأن “الديمقراطية والحرية” هي التي قادت البلاد إلى الجحيم.
ثالثاً: سيكولوجية التضليل كيف يعمل “الذباب الإلكتروني”؟
تعتمد غرف الكيزان الإعلامية على نظرية “التكرار الذي يخلق الحقيقة” عبر آلاف الحسابات الوهمية والمنصات الموجهة يتم ضخ كميات هائلة من المعلومات المضللة (Misinformation) التي تستهدف رموز القوى المدنية. الهدف ليس إثبات تهمة محددة بقدر ما هو خلق حالة من “الارتباك الذهني” لدى الجمهور بحيث يصبح الجميع في نظر المواطن “مدانين حتى تثبت براءتهم”.
رابعاً: أزمة القوى المدنية فجوة الاستجابة والخطاب
في مقابل هذه الماكنة الجبارة تعاني القوى المدنية من ضعف بائن في أدوات الرد وصياغة الخطاب البدي. فبينما يمتلك الكيزان خبرة ثلاثين عاماً في إدارة أجهزة الدولة وأدوات القمع الإعلامي تفتقر القوى المدنية إلى:
وحدة الخطاب: تشتت الرؤى بين المكونات المدنية يسهل اختراقها إعلامياً.
الوصول للقواعد: بقاء الخطاب المدني حبيس النخب في المدن أو في الخارج مما يترك “الفراغ التعبوي” في الأقاليم والمناطق المتأثرة لخطاب الكيزان التحريضي.
خامساً: مآلات الصراع هل تنجح الشيطنة؟
إن نجاح الكيزان في تشويه صورة القوى المدنية يعني بالضرورة إعادة إنتاج النظام القديم بوجوه جديدة أو على الأقل قطع الطريق أمام أي تسوية سياسية تفضي إلى حكم مدني. فالتشويه هنا ليس مجرد “شتائم سياسية” بل هو أداة لشرعنة العنف ضد المدنيين وإقصائهم من مستقبل المشهد السياسي السوداني.
إن المعركة بين القوى المدنية والكيزان هي معركة بين “مشروع الدولة المدنية الحديثة” وبين “الدولة العميقة” التي تقتات على الانقسام المجتمعي ولن تسترد القوى المدنية عافيتها إلا بامتلاك القدرة على تفكيك هذه “البروباغندا” ومخاطبة وجدان الشعب السوداني بلغة تلامس معاناته اليومية بعيداً عن كليشيهات النخب التي استثمر فيها الكيزان طويلاً لهدم المعبد على رؤوس الجميع.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.