العطا رئيساً للأركان… عودة الإسلاميين أم إعادة تشكيل المشهد؟

عمود: عين الحقيقة

أثار قرار قائد الجيش السوداني، عبد الفتاح البرهان، بتعيين الفريق ياسر العطا رئيساً لهيئة الأركان موجة واسعة من الجدل داخل السودان وخارجه، خاصة في أوساط اللاجئين السودانيين الذين يتابعون تطورات المشهد من مواقع النزوح والشتات.. لم يكن القرار مجرد خطوة إدارية داخل الجيش السوداني، بل حمل في طياته دلالات سياسية عميقة تتجاوز إعادة ترتيب القيادة إلى إعادة تعريف طبيعة الصراع نفسه.

ينظر تيار واسع إلى تعيين العطا باعتباره مؤشراً واضحاً على تصاعد نفوذ التيار الإسلامي داخل الجيش، لا سيما في ظل ارتباطات الرجل الوثيقة مع شبكات الإسلاميين، وعلى رأسها كتيبة البراء بن مالك التي برزت خلال حرب أبريل بقيادة المصباح أبو زيد طلحة. هذا التيار يرى في القرار محاولة لإعادة تمكين الإسلاميين عبر بوابة الحرب، واستثمار اللحظة العسكرية لإعادة تشكيل الدولة من الداخل، مستندين إلى خطاب تعبوي يربط استمرار القتال بحماية ما يعتبرونه «مشروع الحركة الإسلامية عبر واجهة الجيش السوداني».

في المقابل، يرى مؤيدو القرار أن تعيين العطا يأتي في سياق الحاجة إلى قيادة عسكرية أكثر تماسكاً وخبرة ميدانية، خاصة في ظل تعقيدات الحرب الحالية. ويذهب بعضهم إلى أن المرحلة تتطلب شخصيات حاسمة قادرة على إدارة العمليات العسكرية بكفاءة، بغض النظر عن خلفياتها السياسية، معتبرين أن الأولوية الآن هي لحسم المعركة لا لإدارة التوازنات المدنية.

غير أن الجدل لا يقف عند حدود التأييد والرفض، بل يمتد إلى أسئلة أكثر عمقاً حول مستقبل المؤسسة العسكرية نفسها… فثمة تساؤلات تتصاعد حول موقع الفريق شمس الدين الكباشي في المرحلة المقبلة، ودوره بعد صعود العطا إلى موقع رئيس الأركان. هل نحن أمام إعادة توزيع للأدوار داخل القيادة، أم بداية لتهميش تدريجي لبعض مراكز القوة؟

في خلفية هذا المشهد، تتحرك قوى الإسلام السياسي في اتجاه يبدو أقرب إلى «إعادة التموضع»، في مواجهة ضغوط متزايدة، خاصة مع الخطوات الأخيرة التي تقودها الولايات المتحدة تجاه تصنيف بعض الكيانات المرتبطة بالإسلاميين. هذه التحركات تعكس إدراكاً متزايداً لدى هذه القوى بأن المرحلة المقبلة قد تشهد محاولات جدية لاقتلاعها من المشهد، ليس فقط عسكرياً بل سياسياً واقتصادياً أيضاً.

إلى ذلك، تعود إلى الواجهة مجدداً تحركات دولية لإحياء مسار الحل السياسي، عبر إعادة تفعيل دور «الآلية الرباعية»، التي يُنظر إليها كإطار محتمل لفرض هدنة إنسانية ووقف إطلاق النار. غير أن هذا المسار يواجه تحديات كبيرة، في ظل تباين الأجندات الدولية، واستمرار الرهانات الداخلية على الحسم العسكري.

ما بين هذا وذاك، يقف الشارع السوداني في حالة انقسام واضحة: جزء يرى في استمرار الحرب وسيلة لإعادة ترتيب السلطة والانتصار العسكري الكاسح على الدعم السريع، وآخر يخشى أن يتحول الجيش السوداني إلى ساحة صراع أيديولوجي مفتوح للإسلاميين المصنفين إرهابيين، ما يعيد إنتاج أزمات الماضي بشكل أكثر تعقيداً.

في الواقع، لا يمكن قراءة تعيين العطا بمعزل عن السياق الأوسع للحرب والصراع على السلطة في بورتسودان. فهو ليس مجرد قرار عسكري، بل حلقة في سلسلة إعادة تشكيل مراكز النفوذ داخل الجيش. والسؤال الأهم الذي يظل مفتوحاً: هل يقود هذا المسار إلى حسم الصراع، أم إلى تعميق جذوره وإطالة أمده؟

الإجابة، على ما يبدو، لن تتحدد فقط في مكاتب قيادة الجيش، بل في توازنات الميدان، وضغوط الخارج، وقدرة السودانيين أنفسهم على فرض مسار مختلف يضع نهاية لهذه الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.