تجار الكراهية .. حين يُلوَّث السودان من أفواه أبنائه
ليست كل الجراح التي تصيب الأوطان تُرى بالعين.
فهناك جراح لا تترك دمًا على الأرض، لكنها تترك قيحًا في الذاكرة، وسمًّا في العلاقات، وشروخًا في الوجدان الجمعي.
وهذا بالضبط ما تفعله اليوم الخطابات العنصرية والمنحطة التي أخذت تتكاثر في الفضاء العام، على ألسنة بعض قيادات الإدارات الأهلية، وعلى منابر بعض الناشطين، وفي سوق الميديا المفتوح على كل قبح.
ما يُقال اليوم ليس مجرد “زلة لسان”، ولا “حالة انفعال”، ولا “سجالًا سياسيًا”، كما يحاول البعض أن يخفف الجريمة اللغوية والاجتماعية.
ما يُقال اليوم هو عمل تخريبي مكتمل الأركان، يستهدف ما تبقى من التعايش السوداني، ويحوّل المجتمعات إلى حطب مجاني في مواقد السياسة والحرب.
لقد صار من المؤلم أن نرى من يُفترض أنهم حكماء الناس، أو من يُفترض أنهم يمثلون مجتمعاتهم، يتحدثون بلغة لا تليق حتى بخصومات الأسواق، ناهيك عن خطاب عام يُفترض أن يُعقلن الأزمات لا أن يُشعلها.
وحين ينحدر لسان القيادات إلى هذا الدرك، فإن الأمر لا يعود إساءة فردية، بل يصبح تفويضًا ضمنيًا للكراهية، وإذنًا مفتوحًا للجهلة كي يمارسوا الاحتقار والتمييز والانتقام تحت مظلة “التمثيل المجتمعي”.
أنا أحد أبناء دارفور، وأعرف أهل دارفور كما أعرف نبض الوجع في هذه البلاد.
وأعرف أيضًا أهل السودان في جهاته كلها، لا من خلال الخرائط ولا من خلال التنظير، بل من خلال العيش المشترك، والدراسة، والعمل العام، والسفر، والمشاريع، والصداقات، والعِشرة، واللقمة، والملح.
عرفنا مجتمعات السودان في دارفور وكردفان، وفي الخرطوم، والجزيرة، وكسلا، والقضارف، وبورتسودان، والشمالية، والنيلين الأبيض والأزرق، وفي القرى كما في المدن، وفي المعسكرات كما في الأحياء، ولم نجد من الناس إلا المروءة، والكرم، وسعة الصدر، والستر، وحسن المعشر.
لذلك، فإن هذا الخطاب القبيح الذي يطفو اليوم على السطح لا يشبه الناس، لكنه مع ذلك يؤذيهم، ويفتك بهم، ويعيد تعريفهم زورًا وعدوانًا.
والأخطر أن هذه السموم لم تعد تُطلق من فراغ.
إنها لم تعد مجرد انفعالات شخصية، بل باتت في كثير من الأحيان لغة سياسية مستثمرة، تُستخدم في التحشيد، وفي الفرز، وفي شيطنة الآخرين، وفي إعادة هندسة المجتمع على أسس الكراهية.
هناك من يريد أن يُقنع الناس أن كل مجتمع هو مشروع عدو مؤجل، وأن كل إقليم خزان خصومة، وأن كل قبيلة متهمة حتى تثبت براءتها.
وهذه ليست سياسة، بل هندسة فتنة.
لقد ساهم هذا الانحدار الأخلاقي في تحويل الانتماء القبلي أو الجغرافي من مجرد تعريف اجتماعي إلى بطاقة اتهام في زمن الحرب.
أصبح الإنسان، في كثير من السياقات، لا يُسأل: من أنت؟ ماذا فعلت؟ ما موقفك؟
بل يُسأل فقط: من أين أنت؟
ثم يُترك مصيره لجهل بندقية، أو لغضب حاجز، أو لعنصرية عابرة، أو لانتقام أعمى.
وهكذا تتحول الكلمات التي قيلت في منصة، أو في بث مباشر، أو في تسجيل هاتفي، إلى أحكام ميدانية يدفع ثمنها الأبرياء.
البعض يسمي هذا “خطابًا ناعمًا”.
لكن الحقيقة أن العنصرية لا تكون ناعمة إلا في شكلها الأول فقط.
هي تبدأ كمفردة، ثم تصير وصفًا، ثم تصير تمييزًا، ثم تصير إقصاءً، ثم تصير مبررًا للعنف، ثم تصبح في النهاية مشروع خراب اجتماعي كامل.
ولذلك فإن الخطر الذي يتهدد السودان اليوم ليس فقط استمرار الحرب، بل ما بعد الحرب.
فالحروب تنتهي عادةً بتوقيع أو هدنة أو إنهاك، لكن التمزق الاجتماعي لا ينتهي بسهولة.
الكلمة المهينة لا تموت بسرعة.
والوصمة لا تُمحى ببيان.
والاحتقار، حين يتسرب إلى الوعي العام، يظل جالسًا في العقول طويلًا، حتى بعد أن تصمت المدافع.
لهذا، فإن من أخطر ما نفعله الآن أن نؤجل مواجهة هذا الوباء الأخلاقي إلى “ما بعد الحرب”، وكأن المجتمع يمكن أن يظل قابلًا للحياة إلى ذلك الحين.
الحقيقة أن الحرب لا تكتفي بقتل الناس، بل تعمل أيضًا على إفساد طريقة نظرهم إلى بعضهم البعض.
وهذا الإفساد، إن تُرك دون مقاومة، فسنخرج من المعركة بسودانٍ بلا ثقة، وبلا طمأنينة، وبلا نسيج صالح للترميم.
من هنا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على السياسيين أو الإعلاميين، بل تقع كذلك على المتعلمين، والمثقفين، والأكاديميين، والكتاب، والحكماء، وأصحاب الضمير.
هؤلاء لم يعد يليق بهم التفرج، ولا يصلح لهم التذرع بالحياد البارد، ولا يجوز لهم أن يكتفوا بالتأفف الصامت بينما يتكاثر تجار الكراهية في الساحة العامة.
نحن بحاجة إلى تحالف أخلاقي ومجتمعي واسع، لا يُدافع عن حزب، ولا عن بندقية، ولا عن اصطفاف، بل يدافع عن الناس أنفسهم.
عن حق الناس في ألا يُهانوا بسبب قبائلهم.
وعن حق المجتمعات في ألا تُختطف صورتها بواسطة أصوات متفلتة، أو قيادات مأزومة، أو ناشطين يقتاتون على الفتنة.
كما يجب أن نمتلك الشجاعة لمواجهة القيادات المجتمعية التي تُطلق هذا السم باسم “المجتمع”.
يجب أن يُقال لهم بوضوح وحزم:
أنتم لا تمثلون الناس حين تُهينون الناس.. وأنتم لا تحمون مجتمعاتكم حين تُحقّرون الآخرين، بل تضعونها في مواجهة عبثية مع بقية الوطن.
الزعامة ليست إذنًا بالوقاحة، ولا التفويض الاجتماعي رخصةً لتلويث المجال العام.
أما النشطاء الذين يحولون الميديا إلى مكب نفايات أخلاقية، فيجب أن يُواجهوا أيضًا، لا أن يُصفَّق لهم.
فليس كل من يصرخ شجاعًا، وليس كل من يشتم ثوريًا، وليس كل من يُهين الناس “واضحًا”.
كثير من هذا الضجيج ليس سوى جبن متنكر في هيئة صراحة، وانحطاط متنكر في هيئة موقف.
إن الاختلاف السياسي، مهما بلغ، لا يجب أن يتحول إلى عداء مجتمعي.
ولا يجوز أن يصبح دعمك لهذا الطرف أو ذاك سببًا لتعميم اللعنة على مجتمع كامل، عشت معه، وتعايشت معه، وتقاسمت معه الخبز، والمصير، والمناسبات، والوجع.
المجتمعات ليست بيانات حرب، وليست مليشيات، وليست منشورات تعبئة.
المجتمعات بشر، ولها ذاكرة، ولها كرامة، ولها حق في ألا تُستخدم كوقود رخيص في معارك النخب.
إن السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى وقف إطلاق نار،
بل يحتاج أيضًا إلى وقف إطلاق الاحتقار.
يحتاج إلى من يردّ للعلاقات الاجتماعية هيبتها،
وللغة العامة نظافتها،
ولفكرة الوطن معناها.
فإذا لم ننتبه الآن، فإننا لن نكون فقط قد خسرنا المدن، والبيوت، والأرواح،
بل سنكون قد خسرنا ما هو أخطر:
القدرة على أن نرى بعضنا كبشر، لا كتصنيفات جاهزة للكراهية.
وفي هذا المعنى تحديدًا،
فإن مقاومة الخطاب العنصري لم تعد ترفًا أخلاقيًا،
بل أصبحت واجبًا وطنيًا عاجلًا.
لأن الأوطان لا يقتلها الرصاص وحده،
بل تقتلها أيضًا الأفواه التي تتاجر بالكراهية.
كفاية- سكات
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.