القبيلة بين الوظيفة الإجتماعية وسوء الإستثمار السياسي: دروس من تجربة الإنقاذ

بقلم / الاستاذ محمود قطية المحامي

 

 

 

مثّلت القبيلة في السودان عبر التاريخ إطارا اجتماعيا متماسكا، حافظ على التوازن الأهلي وسدّ فجوات الدولة في مراحل ضعفها.

فقد أدت دور الوسيط الإجتماعي، والضامن للإستقرار المحلي، والحاضن لقيم التكافل والتضامن، غير أن هذا الدور الطبيعي شهد تحولا عميقا في عهد حكومة الإنقاذ، حين جرى نقل القبيلة من وظيفتها الإجتماعية إلى دائرة الإستثمار السياسي، لتتحول من عنصر إستقرار إلى أداة صراع.

 

في مرحلة الإنقاذ، أُعيد تعريف القبيلة بإعتبارها كتلة ولاء جاهزة يمكن توظيفها لتعزيز السيطرة السياسية.

 

فتم إعتماد سياسات تمكين قبلي إنتقائي، جرى بموجبها توزيع المناصب والموارد والخدمات وفق حسابات الولاء، لا وفق معايير الكفاءة أو العدالة، كما إتجهت السلطة إلى تسليح مجموعات قبلية تحت ذرائع أمنية، الأمر الذي أسهم في تضخم مراكز القوة خارج إطار الدولة، وأضعف إحتكارها المشروع للعنف.

 

ولم تقتصر الممارسات على ذلك، بل إتجهت الدولة إلى إدارة النزاعات القبلية بدل معالجتها جذريا، مما أبقى بؤر التوتر قائمة، وأتاح إستخدامها كورقة ضغط سياسية عند الحاجة.

وبهذا، تحولت القبيلة من كيان إجتماعي منظم إلى فاعل سياسي غير منضبط، تتداخل فيه المصالح مع السلاح، وتختلط فيه الهوية الإجتماعية بالوظيفة السياسية.

 

وقد أفرز هذا النهج نتائج عميقة الأثر على بنية الدولة والمجتمع، فقد تآكل مفهوم المواطنة لصالح الإنتماء الضيق، وتراجعت هيبة المؤسسات أمام نفوذ الجماعات، وتزايدت النزاعات المسلحة ذات الطابع القبلي.

 

ومع مرور الزمن، نشأ إقتصاد سياسي قائم على الإمتيازات لا الإنتاج، الأمر الذي أضعف قدرة الدولة على الإستمرار، خصوصا مع تراجع الموارد وتزايد الضغوط الداخلية والخارجية. وهنا لم يكن سقوط حكومة الإنقاذ حدثا مفاجئا، بل نتيجة منطقية لتراكم إختلالات هيكلية أضعفت بنيتها من الداخل.

 

وفي الحاضر، يقف السودان عند مفترق طرق حاسم، حيث تتكرر ذات التحديات ولكن في سياق أكثر تعقيدا، تتداخل فيه العوامل العسكرية والسياسية والإجتماعية، ومن هنا تبرز أهمية إستيعاب الدروس التاريخية لا بوصفها مادة للوم الماضي، بل كمرجع عملي لتصحيح المسار.

أما في المستقبل، فإن أكبر المحاذير أمام أي مشروع وطني بما في ذلك حكومة تأسيس يتمثل في إعادة إنتاج نموذج المحاصصة القبلية تحت مسميات جديدة.

 

فالتحول الديمقراطي لا يُبنى على توزيع الولاءات، بل على تأسيس مؤسسات مهنية محايدة، وضمان عدالة توزيع الموارد، وإعادة ضبط دور الإدارة الأهلية ضمن إطار قانوني واضح يحد من تسييسها.

 

إن الطريق إلى الإستقرار والتحول الديمقراطي المنشود لا يمر عبر تعبئة القبيلة سياسيا، بل عبر تحييدها مؤسسيا، والإستفادة من رصيدها الإجتماعي دون تحويلها إلى أداة صراع.

 

فالتاريخ القريب يثبت أن الدولة التي تبني قوتها على الولاءات المؤقتة، إنما تؤجل أزمتها ولا تتجاوزها، بينما الدولة التي تؤسس على العدالة والمؤسسية، تملك القدرة على الصمود وصناعة المستقبل.

 

-مؤسس ورئيس هيئة محامي كردفان

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.