تصريحات «القوة المميتة» تثير جدلاً ومخاوف من تصعيد عسكري

تقرير: عين الحقيقة

أثارت تصريحات منسوبة للقيادي البارز في الحركة الإسلامية السودانية، حاج ماجد سوار، عاصفة من الجدل والقلق داخل الأوساط السياسية والحقوقية، بعد دعوته الصريحة إلى ما وصفه بـ«إطلاق يد هيئة الأركان الجديدة في الجيش السوداني لاستخدام القوة المميتة لحسم المعركة قبل موسم الخريف». وقد فسّر مراقبون هذه الدعوة على أنها مؤشر خطير على تصاعد الخطاب الداعي إلى الحسم العسكري بأي وسيلة، بما في ذلك وسائل قد تتجاوز قواعد الحرب التقليدية.

الجدل حول تصريحات «القوة المميتة» لا يقتصر على بعدها العسكري فحسب، بل يفتح الباب أيضاً لنقاش أوسع حول دور الحركة الإسلامية السودانية في الحرب الحالية، وطبيعة التيار العسكري داخلها..

وتأتي هذه التصريحات في وقت يواصل فيه السودان انزلاقه في حرب مدمّرة اندلعت منذ أبريل 2023 بين القوات المسلحة السودانية وقوات الدعم السريع، وهي حرب تحولت إلى واحدة من أكثر الأزمات الإنسانية تعقيداً في العالم، مخلفة آلاف القتلى وملايين النازحين، ودماراً واسعاً في البنية التحتية والخدمات الأساسية، خصوصاً في ولايات دارفور وأجزاء من كردفان والعاصمة الخرطوم. لكن الجدل حول تصريحات «القوة المميتة» لا يقتصر على بعدها العسكري فحسب، بل يفتح الباب أيضاً لنقاش أوسع حول دور الحركة الإسلامية السودانية في الحرب الحالية، وطبيعة التيار العسكري داخلها، وتأثيره على مسار الصراع ومستقبل الدولة السودانية.
خلفيات الحركة الإسلامية في السودان
لفهم دلالات هذه التصريحات، لا بد من العودة إلى الخلفية التاريخية للحركة الإسلامية في السودان، التي تُعد واحدة من أكثر الحركات السياسية تأثيراً في تاريخ البلاد الحديث. وتعود جذور الحركة الإسلامية السودانية إلى خمسينيات القرن الماضي، عندما نشأت كامتداد فكري وتنظيمي لجماعة الإخوان المسلمين في المنطقة، قبل أن تتطور لاحقاً إلى تنظيم سياسي أكثر تعقيداً بقيادة المفكر والسياسي السوداني الراحل حسن الترابي. وقد نجحت الحركة في بناء شبكة واسعة داخل الجامعات والنقابات ومؤسسات الدولة، مستفيدة من خطاب ديني وسياسي يجمع بين الدعوة الإسلامية والطموح السياسي.
وبلغ نفوذ الحركة الإسلامية ذروته عام 1989 عندما دعمت انقلاباً عسكرياً قاده عمر حسن أحمد البشير، وهو الانقلاب الذي أسّس لما عُرف لاحقاً بنظام «الإنقاذ الوطني». خلال تلك الفترة، أصبحت الحركة الإسلامية القوة السياسية الأكثر نفوذاً في السودان، حيث سيطرت على مفاصل الدولة والجيش والأجهزة الأمنية والاقتصاد. لكن هذا التحالف بين العسكريين والإسلاميين لم يكن مستقراً دائماً. ففي عام 1999 حدث ما عُرف بـ«المفاصلة» بين الرئيس البشير وزعيم الحركة الإسلامية حسن الترابي، وهو انقسام عميق أدى إلى إعادة تشكيل مراكز القوة داخل النظام، لكنه لم ينهِ نفوذ الإسلاميين داخل المؤسسة العسكرية والأمنية.

عملت الحركة على بناء علاقات قوية مع ضباط داخل الجيش والأجهزة الأمنية، وهو ما منحها نفوذاً كبيراً في المؤسسة العسكرية..

التيار العسكري داخل الحركة الإسلامية
رغم أن الحركة الإسلامية نشأت أساساً كحركة فكرية وسياسية، فإنها طورت عبر العقود جناحاً عسكرياً وأمنياً قوياً، خاصة بعد وصولها إلى السلطة. خلال تسعينيات القرن الماضي، أنشأت الحكومة المرتبطة بالحركة الإسلامية عدداً من التشكيلات شبه العسكرية، من بينها قوات الدفاع الشعبي، التي لعبت دوراً مهماً في الحرب الأهلية في جنوب السودان آنذاك. وقد ساهمت هذه التجربة في ترسيخ فكرة «التعبئة العسكرية ذات البعد العقائدي»، حيث جرى تصوير الحرب في بعض الأحيان باعتبارها «معركة وجود» للدولة والنظام.
كما عملت الحركة على بناء علاقات قوية مع ضباط داخل الجيش والأجهزة الأمنية، وهو ما منحها نفوذاً كبيراً في المؤسسة العسكرية. وبمرور الوقت، ظهر داخلها تيار يرى أن الحفاظ على السلطة أو استعادة النفوذ السياسي لا يمكن أن يتم إلا عبر القوة العسكرية. هذا التيار، وفقاً لعدد من الباحثين، يميل إلى تبنّي خطاب أكثر تشدداً في أوقات الأزمات، ويعتبر أن الحسم العسكري هو الطريق الأقصر لإنهاء الصراعات، حتى لو كان ذلك على حساب الحلول السياسية.
ما بعد سقوط نظام البشير
عندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية التي أطاحت بالرئيس عمر البشير عام 2019، بدا أن نفوذ الحركة الإسلامية قد تلقى ضربة قاسية؛ فقد تم حل حزب المؤتمر الوطني، وتفكيك العديد من مؤسسات النظام السابق، كما واجه عدد من القيادات الإسلامية اتهامات ومحاكمات.
غير أن هذا التراجع لم يعنِ اختفاء الحركة من المشهد، فالكثير من شبكاتها السياسية والاجتماعية والعسكرية ظلت قائمة بدرجات متفاوتة، كما بقي لبعض كوادرها حضور داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك الجيش.
ومع اندلاع الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع في أبريل 2023، عاد الجدل مجدداً حول دور الإسلاميين في دعم المعركة العسكرية، حيث يرى بعض المراقبين أن الحرب وفّرت فرصة لعودة تيارات داخل الحركة الإسلامية إلى المشهد السياسي عبر التحالف مع الجيش أو دعمه.
في هذا السياق، جاءت تصريحات حاج ماجد سوار، التي دعا فيها إلى تسريع الحسم العسكري قبل حلول موسم الأمطار. ففي السودان، يمثل فصل الخريف تحدياً كبيراً للعمليات العسكرية، إذ تؤدي الأمطار الغزيرة إلى تدهور الطرق وإبطاء حركة القوات والإمدادات. ويرى محللون أن الدعوة للحسم قبل الخريف تعكس قلقاً متزايداً داخل بعض الدوائر المؤيدة للحسم العسكري من احتمال تحول الحرب إلى صراع طويل الأمد، خاصة في ظل تعقّد الجبهات وتداخل العوامل القبلية والسياسية في مناطق النزاع. لكن العبارة التي أثارت أكبر قدر من المخاوف كانت دعوته إلى استخدام «القوة المميتة»، وهي صيغة فضفاضة اعتبرها كثيرون تمهيداً لتصعيد غير مسبوق في أساليب القتال.

أثارت التصريحات قلقاً متزايداً لدى منظمات حقوق الإنسان، التي حذّرت من أن أي حديث عن استخدام «القوة المميتة» خارج الأطر التقليدية للحرب قد يفتح الباب أمام استخدام أسلحة محظورة دولياً..

مخاوف من أسلحة محرّمة
أثارت هذه التصريحات قلقاً متزايداً لدى منظمات حقوق الإنسان، التي حذّرت من أن أي حديث عن استخدام «القوة المميتة» خارج الأطر التقليدية للحرب قد يفتح الباب أمام استخدام أسلحة محظورة دولياً. فبموجب اتفاقية حظر الأسلحة الكيميائية، يُحظر تطوير أو إنتاج أو تخزين أو استخدام الأسلحة الكيميائية تحت أي ظرف، كما تنص اتفاقيات جنيف على حظر استخدام الأسلحة التي تسبب معاناة مفرطة أو تستهدف المدنيين بشكل عشوائي. ويرى خبراء في القانون الدولي الإنساني أن أي لجوء إلى أسلحة كيميائية أو وسائل قتالية ذات تأثير واسع قد يُعد جريمة حرب، وقد يعرّض المسؤولين عنها للمساءلة أمام القضاء الدولي، بما في ذلك المحكمة الجنائية الدولية.
انعكاسات سياسية ودولية
سياسياً، قد تعكس هذه التصريحات وجود تيار داخل بعض القوى المرتبطة بالحركة الإسلامية يفضّل الحسم العسكري الكامل بدلاً من التسويات السياسية. لكن هذا الخيار قد يحمل مخاطر كبيرة على السودان، من بينها فرض عقوبات دولية إضافية أو زيادة الضغوط الدبلوماسية، خاصة إذا ارتبطت العمليات العسكرية بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان. كما قد يؤدي التصعيد إلى تعقيد جهود الوساطة الإقليمية والدولية التي تقودها أطراف عدة، والتي تسعى منذ أشهر إلى دفع الأطراف المتحاربة نحو وقف إطلاق النار والدخول في عملية سياسية.
دارفور في قلب المخاوف
في الميدان، يخشى ناشطون إنسانيون من أن يؤدي أي تصعيد في طبيعة العمليات العسكرية إلى تفاقم الكارثة الإنسانية التي يعيشها المدنيون بالفعل. ففي إقليم دارفور، تشير تقارير إنسانية إلى تدهور حاد في الأوضاع الصحية والغذائية، مع انهيار العديد من المرافق الطبية وصعوبة وصول المساعدات الإنسانية إلى المناطق المتضررة. ويرى خبراء الإغاثة أن استخدام أسلحة ذات تأثير واسع أو غير تقليدي قد يؤدي إلى موجات نزوح أكبر، ويزيد من معدلات الوفيات، خاصة في المناطق المكتظة بالسكان أو في معسكرات النزوح.
في ضوء هذه التطورات، يبدو السودان أمام مفترق طرق حاسم. فبينما يرى أنصار الحسم العسكري أن إنهاء الحرب بالقوة قد يعيد الاستقرار سريعاً، يرى آخرون أن هذا الخيار قد يطيل أمد الصراع ويعمّق الانقسام داخل المجتمع السوداني.
كما يخشى مراقبون من أن تؤدي لغة التصعيد والدعوات لاستخدام «القوة المميتة» إلى تطبيع فكرة استخدام وسائل قتالية أكثر تدميراً، وهو ما قد يدفع الحرب إلى مرحلة أكثر خطورة. وفي ظل هذا المشهد المعقد، تبقى آمال كثير من السودانيين معلقة على إمكانية العودة إلى مسار الحل السياسي، قبل أن تنزلق البلاد إلى مستوى جديد من العنف يصعب احتواؤه.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.