الإدارة الأهلية بين مسؤولية الإصلاح ومتطلبات التمكين: نحو تأسيس مجلس للحكماء

 محمود قطية المحامي

تُعدّ الإدارة الأهلية واحدة من أقدم وأعمق المؤسسات الاجتماعية التي نشأت في المجتمعات السودانية، وظلت عبر عقود طويلة تمثل صمام أمان للاستقرار الاجتماعي، ورافعة أساسية لضبط التوازنات المجتمعية وحماية النسيج الاجتماعي من التفكك.

ولم يكن دورها يوماً دوراً شكلياً أو تقليدياً فحسب، بل كان دوراً حقيقياً يتقاطع مع قضايا الأمن الأهلي، وإدارة النزاعات، وتعزيز قيم التعايش السلمي، وبناء الثقة بين مكونات المجتمع المختلفة.

غير أن التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية أضعفت دور الإدارة الأهلية في بعض المناطق، إما بسبب التهميش المؤسسي أو بسبب محاولات توظيفها سياسياً بصورة أضرت باستقلاليتها ومكانتها المجتمعية.

وهنا تبرز الحاجة الملحة لإعادة تعريف دور الإدارة الأهلية وفق رؤية حديثة تقوم على المهنية، والاستقلال، والعدالة، والقدرة على الاستجابة لتحديات العصر.

إن أولى الموضوعات الأساسية التي ينبغي أن تعمل عليها الإدارة الأهلية في سبيل إصلاح المجتمعات هي ترسيخ السلم الاجتماعي ومعالجة النزاعات القبلية. فالإدارة الأهلية تمتلك من الخبرة التراكمية والعرف الاجتماعي ما يؤهلها للقيام بدور الوسيط الفاعل في فض النزاعات قبل تفاقمها، وهو ما يقلل من تكلفة الصراعات بشرياً واقتصادياً. كما ينبغي أن تتبنى برامج للمصالحات المجتمعية المستدامة، لا تقتصر على إيقاف النزاع فحسب، بل تمتد إلى معالجة جذوره الاجتماعية والاقتصادية.

أما الملف الثاني، فيتمثل في تعزيز سيادة حكم القانون والتكامل مع المؤسسات العدلية. فالإدارة الأهلية لا ينبغي أن تكون بديلاً عن الدولة، بل شريكاً استراتيجياً لها، يعمل على ترسيخ ثقافة احترام القانون، والتبليغ عن الجرائم، ومنع ظواهر الانتقام الأهلي التي تهدد استقرار المجتمعات. ويتطلب ذلك تدريب قيادات الإدارة الأهلية على الجوانب القانونية والحقوقية، بما يضمن توافق الأعراف مع مبادئ العدالة الحديثة.

وفي السياق التنموي، تبرز أهمية دور الإدارة الأهلية في دعم التنمية المحلية، من خلال المشاركة في تحديد أولويات المجتمعات، وتشجيع المبادرات المجتمعية في مجالات التعليم، والصحة، والخدمات الأساسية. فالإدارة الأهلية، بحكم قربها من المواطنين، قادرة على قراءة احتياجاتهم بدقة، وهو ما يجعلها شريكاً فعالاً في التخطيط التنموي القاعدي.

غير أن تمكين الإدارة الأهلية من أداء هذه الأدوار يتطلب إرادة سياسية حقيقية من الدولة، تقوم على توفير الدعم المؤسسي والمالي، ومنحها الصلاحيات اللازمة التي تمكنها من العمل بفاعلية واستقلالية. فالتمكين لا يعني مجرد الاعتراف الرمزي، بل يعني بناء منظومة متكاملة من التدريب، والتشريعات، والموارد، التي ترفع من كفاءة هذه المؤسسة العريقة.

وفي هذا الإطار، يبرز مقترح إنشاء مجلس للحكماء كخطوة استراتيجية ذات أبعاد بعيدة المدى. ويقضي هذا المقترح بتأسيس مجلس وطني يضم كبار رجالات الإدارة الأهلية من مختلف الأقاليم، بحيث يكون منصة جامعة للحكمة والخبرة والتجربة، ومظلة مرجعية تُستشار في القضايا الوطنية الكبرى، خاصة تلك المتعلقة بالسلم الاجتماعي وإدارة النزاعات المجتمعية.

إن مجلس الحكماء، إذا ما أُحسن تصميمه وإدارته، يمكن أن يتحول إلى مؤسسة ذات تأثير استراتيجي، تساهم في توجيه السياسات العامة المتعلقة بالإدارة الأهلية، وتعمل على توحيد الرؤى بين مختلف المكونات المجتمعية، كما يمكن أن يؤدي دوراً مهماً في تعزيز ثقافة الحوار الوطني، ومنع الانزلاق نحو الصراعات المفتوحة.

وخلاصة القول، إن الإدارة الأهلية ليست مجرد إرث تاريخي، بل هي مورد استراتيجي وطني يجب الاستثمار فيه بذكاء.

فالمجتمعات التي تملك مؤسسات أهلية قوية وعادلة، تمتلك في الوقت ذاته قدرة أعلى على الصمود أمام الأزمات، وعلى إعادة بناء نفسها بعد النزاعات. ومن هنا، فإن تمكين الإدارة الأهلية، وتحديث أدواتها، وتأسيس مجلس للحكماء، يمثل خطوة جوهرية نحو بناء مجتمع متماسك، ودولة مستقرة، ومستقبل أكثر أمناً وعدالة للجميع.

مؤسس ورئيس هيئة محامي كردفان

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.