في ذكرى أبريل وسط ركام الحرب، هل ستكون قضية المشاركة في العملية السياسية كعب اخيل التوافق الوطني المنشود لإنهاء الحرب؟

بكري الجاك

وفي ذكري أبريل وسط ركام الحرب، هل ستكون قضية المشاركة في العملية السياسية كعب اخيل التوافق الوطني المنشود لانهاء الحرب؟
تمر علينا ذكري أبريل و البلاد تتمزق و الناس شتات و الأطفال لم يعرفوا لا طعم الطفولة و لا طريق المدارس، و رغم أن فرص الحل السياسي الشامل مازالت تبدو بعيدة المنال، الا أن حقيقة الأشياء تشير الي انه مهما استطال أمد الحرب فلا حل عسكري لأزمات البلاد التي تعتبر الحرب قمة تجلياتها. و في آخر المطاف و ربما بعد شد و جذب و ضغط، خصوصا في الأشهر القادمة، سيضطر طرفا الحرب الرئيسيان و حلفائهما الي الجلوس الي طاولة التفاوض خضوعا للارادة السودانية و الاقليمية و الدولية لوقف القتال، و رغم التعقيدات الجمة المتمثلة في انعدام الثقة و الجدل حول تقديم مسألة الشرعية علي مسألة السلام و تعقيدات مخاطبة قضايا العدالة و موقعها في ملف السلام، علي سبيل المثال لا الحصر، قد نجد أنفسنا أمام صيغة ما لايقاف الحرب، و التحدي الحقيقي يكمن في امكانية اطلاق عملية سياسية (سمها ما شئت مائدة مستديرة أو حوار سوداني سوداني) ذات مشاركة واسعة لتحقق القدر المطلوب من التوافق لانهاء الحرب و ترتيب مستقبل السودان. في ظني سيظل سؤال التمثيل و من يحق له الجلوس كطرف في العملية السياسية هو كعب أخيل العملية السياسية و فرص نجاحها حتي لا يصبح وقف اطلاق النار بمثابة تقنين و شرعنة لواقع التقسيم الاداري للبلاد.
و كنت قد كتبت عن مسألة التمثيل و المشاركة في هذه الصفحة عدة مرات من قبل و بعد الانقلاب و تحدثت حينها عن أن الشرعية الثورية التي قادت الي تشكيل الحكومة الانتقالية في اغسطس 2019 تآكلت بسبب الخلافات الثانوية (الحقيقية و المصنوعة) حول مسائل برامجية تتعلق بالاقتصاد المحاسبة و السلام، و ليس حول قضايا التأسيس و الانتقال الديمقراطي، و عادة الشرعية التوافقية ما لم تٌستبدل بشرعية انجاز فطبيعي أن تتضائل و تنحسر، و كنت قد وصفت التنافس و الجدل حول التمثيل بعد انقلاب 25 اكتوبر 2021 بأنه اصبح “سباقا الي الحضيض” و بدلا من أن يقبل الفاعلون السياسيين ببعضهم البعض، بحجة أنه لايوجد من يستطيع أن يدّعي امتلاك شرعية انتخابية قاعدية لكل الحراك السياسي أو حتي شرعية تفويض ذات قبول واسع خصوصا في ظل التنافس حول مدي قاعدية كل فاعل سياسي و اجتماعي، بدلا من طعن جل الفاعلين في شرعية بعضهما البعض الي أن انتهينا الي حالة العجز و التشكيك في كل فاعل و هو ما يبرز دائما في ” فلان ده بمثل منو أو الناس ديل ما بمثلونا” و هو ما اسميته بالسباق الي الحضيض حينها.
الآن و نحن نقترب من اكمال حرب 15 أبريل عامها الثالث فقد اضحت مسألة التمثيل و المشاركة في جهود ايقاف الحرب أو حتي في ادعاء التعبير عن الارادة السودانية مسألة في غاية التعقيد و محل تنافس بالادعاء و بالحلاقيم، فالانقسام الرأسي و الافقي في البٌني الاجتماعية وفق عوامل تتمثل 1) الموقع الاجتماعي (الاثنية و الجغرافية و الطبقة) و 2) المصلحة المباشرة و 3) التصورات عن من المتسبب في الأذي، هذا بالاضافة الي تآكل كل البني الاجتماعية و السياسية في كافة مستوياتها سوءا المنظمة هرميا أو التي تدّعي القاعدية لاسباب تتعلق بانهيار ما تبقي من العقد الاجتماعي ( علي تشوهاته) الذي كان ناظما لصيرورة الدولة السودانية و من ثم ارتداد الناس الي الانتماءآت الأولية من قبيلة و عشيرة و عقيدة مصحوبا بسيطرة الخوف علي الناس و ما ينتجه من البحث عن الحماية و الأمان، كل هذه العوامل خلقت حالة من الفسيفساء و التشرزم الافقي في كل مستويات الحراك السياسي و الاجتماعي في بلادنا سواءا في أوساط المجموعات المصطفة مع أطراف الحرب أو المجموعات الرافضة للحرب. هذه الوضعية المتمثلة في التناسل الأميبي المستمر للأحزاب و المبادرات غير الرسمية و حتي منظمات المجتمع المدني تعبر عن حالة قلق سياسي و أيضا تنافس علي التمثيل و ليست باي حال دليل صحة فكرية. كل هذا خلق وضعية أصبح فيها جل السودانيين يعتقدون أن الطريق الوحيد لمشاركتهم في تحديد مصير و مستقبل بلادهم عبر عملية سياسية يأتي بالحضور بالاصالة و ليس بالاناية عبر أي صيغة من صيغ التمثيل المعروفة. و لهذه الاسباب مجتمعة تتناحر المجموعات النسوية و المنظومات الشابية و غرف الطوراي و التحالفات السياسية في مسألة من يمثل من بدءا من تشكيل الوفود للمشاركة في الفعاليات، كما يحدث الآن من جدل حول المشاركة في مؤتمر برلين المذمع عقده في 15 أبريل، ناهيك عن المشاركة في عملية سياسية مضنية و طويلة و معقدة مثل مسألة الحوار السوداني السوداني، و للأسف ليس هناك استنثناء.
لابد أن نعترف أننا ازاء اشكال حقيقي و تحدي كبير في ابتداع آلية توافقية لمخاطبة مسألة المشاركة في العملية السياسية لتكون واسعة و تمثيلية بما يكفي و ذات معني و قبول شعبي، ورغم وجود تجارب يمكن الاسترشاد بها في الاجابة علي الجوانب الفنية المتمثلة في مستويات التمثيل الجغرافي و النوعي و العمري و الفكري الا أن التحدي سيظل في كيفية تخليق ارادة سياسية تبدأ بالاعتراف بالمشكلة أولا و ليس التذاكي في التعاطي معها، و من ثم الانخراط في حوار ما قبل الحوار لمعالجة هذه المعضلة للتوافق حول كيف يتم و يدار الحوار السوداني و من يشارك فيه، و من خلال اضطلاعي علي جل، ان لم يكن كل، الاطروحات المقدمة من قبل التحالفات السياسية و المجموعات النسوية و الشبابية و المبادرات التي لا تنتهي في تقديري لا يوجد تباعد كبير في المواقف من القضايا الكبري مثل المواطنة المتساوية و الفيدرالية و العدالة و المحاسبة و رد المظالم والعمل علي بناء مؤسسات تؤسس لنظام حكم ديمقراطي مدني قائم علي الفصل بين السلطات و سيادة حكم القانون و ضمان الحريات العامة، الخلاف كان و سيظل حول من هم أطراف العملية السياسية مع العلم أن هناك اشكال بنيوي موضوعي يفاقم هذه المعضلة كما و أن هناك من يعمل علي خلق لافتات و يعمل علي شرعنتها و يبحث لها عن تمثيل لتغليب تصورات بيعنها علي غيرها، و هذا سوف لن يعيق التوافق المطلوب و حسب، بل ربما سيكون كعب أخيل العملية السياسية برمتها.
خلاصة القول، لا شك أننا نحتاج الي ادارة حوار عميق و هاديء حول هذه القضية و تناولها بشكل شامل و الدخول في نقاش حول مقترحات عملية تمكن من أجراء مشورة واسعة يكون فيها استفتاء أكبر عدد من السودانيين حول تصوراتهم لمستقبل السودان و يمكن تبسيط هذه القضايا في ثلاثة أو اربعة قضايا رئيسية و من ثم خلق آلية تساعد الناس في توصيل أصواتهم فالمشاركة بالرأي يجب أن لا تكون أقل أهمية من المشاركة حضوريا كما يجب أن نعمل علي تقوية الاجسام الموجودة و دعمها و الحد من تشرزمها، فلا يمكن أن يشارك 45 مليون في آن واحد و لكن يمكن اجراء حوارات قاعدية في معسكرات النزوح و اللجوء وفي المهاجر و في كل بقاع السودان عبر الوسائط المتاحة، و هذا واجب اليوم و اذا لم نقم به فربما ينتهي الأمر في أيدي حملة السلاح أو تجميد الصراع بايقاف الحرب دون معالجة الخلل البنيوي و الاسباب المباشرة التي أدت لاشتعال الحرب و استمرارها، فهلا بدأنا اليوم قبل غدا.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.