في مشهدٍ لا يخلو من السخرية المرة، تقف سلطة بورتسودان—واجهة الكيزان الباهتة—أمام استحقاقٍ دوليٍّ ثقيل، لا تملك له إلا لغة التهديد الفارغ، ولا تُحسن فيه غير الهروب إلى الأمام. مؤتمر برلين المزمع انعقاده في ١٥ أبريل، في الذكرى الثالثة لنكبة الحرب العبثية، ليس مجرد فعالية دبلوماسية عابرة، بل هو محكمةٌ سياسيةٌ مفتوحة، يُستدعى فيها ملف السودان المثخن بالجراح، ويُسأل فيها: من أشعل الحرب؟ ومن يصرّ على استمرارها؟
الإجابة، رغم كل محاولات التمويه، باتت أوضح من شمس الظهيرة: إنها ذات الجماعة التي لا تتعلم من التاريخ، ولا تعترف بالهزيمة، جماعة الإخوان المسلمين—الكيزان—الذين أشعلوا الحرب طمعًا في استعادة كراسي السلطة، فإذا بها تنفجر في وجوههم، وتحرق الأخضر واليابس، وتدفع ثمنها دماء السودانيين الأبرياء.
وفي قمة “الجرسة”، تخرج علينا سفيرة السلطة في ألمانيا بحديثٍ عن “إعادة النظر في العلاقات” مع الدول المنظمة والراعية للمؤتمر، وفق مبدأ المعاملة بالمثل! أيّ مثلٍ هذا الذي يتحدثون عنه؟ وأيّ وزنٍ يظنون أن لهم في ميزان العلاقات الدولية؟ الدول الراعية للمؤتمر ليست دولةً أو اثنتين، بل هي منظومة دولية كاملة: ألمانيا، الاتحاد الأوروبي، الاتحاد الأفريقي، الإيقاد، ودول الرباعية. بمعنى آخر، العالم—بأسره تقريبًا—يقف في صف البحث عن حلٍ لمأساة السودان، بينما تقف سلطة الكيزان… وحدها، معزولة، محاصرة، تدافع عن بقايا وهمٍ يتهاوى.
فهل يعقل أن سلطةً فاقدةً للشرعية، مرفوضةً داخليًا وخارجيًا، تتوعد العالم أجمع؟ هل هذا سلوك دولةٍ أم سلوك جماعةٍ مأزومةٍ فقدت البوصلة؟ الحقيقة التي يهربون منها، هي أن الشعب السوداني نفسه—”أصحاب الجلد والرأس”—لم يفوضهم يومًا، بل خرج عليهم ورفض انقلابهم منذ لحظته الأولى. انقلاب البرهان المشؤوم لم يكن إلا محاولةً يائسةً لإعادة عقارب الساعة إلى الوراء، فإذا به يفتح أبواب الجحيم على وطنٍ بأكمله.
واليوم، بعد ثلاث سنوات من الحرب والدمار والنزوح والانهيار، لا يزال الكيزان يتحدثون باسم الشعب زورًا وبهتانًا، وكأنهم لم يسمعوا هتافات الشوارع، ولم يروا عزلة العالم لهم، ولم يدركوا أن زمن الوصاية قد انتهى.
مؤتمر برلين ليس هو المشكلة… المشكلة الحقيقية هي في عقليةٍ لا تعترف بالفشل، ولا تملك شجاعة المراجعة. عقليةٌ تظن أن التهديد يمكن أن يعوّض فقدان الشرعية، وأن الضجيج يمكن أن يخفي الحقيقة. لكن الحقيقة أكبر من أن تُخفى: سلطة الكيزان اليوم تقف وحدها، في عزلةٍ كاملة، كمن حفر قبره بيده، ثم جلس ينتظر القيامة.
فمتى يقتنعون؟ متى يدركون أن السودان ليس ملكًا لهم؟ ومتى يكفون عن جرّ البلاد من كارثةٍ إلى أخرى؟ أم أن “الجرسة” ستظل هي العنوان… حتى آخر فصلٍ في هذه المأساة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.