الحرب السودانية: من إشعالها إلى تفكيك أهدافها… ومن المسؤول عن إطالة أمدها؟
عبدالحافظ سعد الطيب
أولًا: الفاعل المقصود — تنظيم الأبرتهايد العنصري (تنظيم الإسلاموعروبيين): مشروع مهزوم، ومطلوب عزله ودفنه سياسيًا عبر عمل ثوري وطني موحّد
💢 عندما يُقال “تنظيم الحركة الإسلامية” في هذا السياق، فالمقصود غالبًا:
الشبكة المرتبطة تاريخيًا بـ الحركة الإسلامية السودانية
وبقايا نظام عمر البشير داخل:
الجيش
الأجهزة الأمنية
الاقتصاد
هذه الشبكة لم تختفِ بعد الثورة السودانية 2019، بل أعادت تنظيم نفسها.
ثانيًا: لماذا “إشعال الحرب” خيار منطقي لهم؟
لأنهم كانوا أمام معادلة خطيرة:
بدون حرب:
فقدان السلطة نهائيًا
محاسبة قانونية
تفكيك شبكاتهم (التمكين)
نهاية المشروع السياسي
مع الحرب:
خلط الأوراق
تعطيل العدالة
إعادة إنتاج النفوذ
🔥 لذلك تصبح الحرب خيار بقاء، لا مجرد خيار سياسي
💢 ثالثًا: الأهداف الأساسية من “تفجير الحرب” (المرحلة صفر)
1. قطع الطريق نهائيًا على الحكم المدني
بعد الثورة، كان هناك مسار — رغم تعثره — نحو حكم مدني.
الهدف من الإشعال:
نسف هذا المسار بالكامل
جعل العودة للحكم المدني شبه مستحيلة
كيف؟
تحويل الصراع من سياسي → عسكري شامل
2. فرض معادلة “إما نحن أو الفوضى”
إشعال الحرب يخلق واقعًا يقول:
لا استقرار بدون القوى القديمة
النتيجة المقصودة:
إعادة قبولهم شعبيًا كـ “أهون الشرور”
3. إعادة إدخال أنفسهم في مركز القرار العسكري
بعد 2019:
تم تحجيمهم نسبيًا داخل المؤسسة العسكرية
الحرب تسمح بـ:
العودة عبر بوابة “الضرورة الأمنية”
استعادة مواقع القيادة والتأثير
4. ضرب أي مشروع لإعادة هيكلة الجيش
واحدة من أخطر التهديدات لهم كانت:
▪ دمج قوات الدعم السريع في الجيش ( وهذه نفسه حل كارثي ضيق الافق ذاتي وتفكير يجب التراجع عنه)
▪ إصلاح المؤسسة العسكرية
إشعال الحرب يحقق:
▪ إفشال الإصلاح
▪ تثبيت الوضع القديم
▪ منع قيام جيش وطني مهني خارج نفوذهم
5. تصفية الحساب مع الدعم السريع قبل أن يكبر سياسيًا
الدعم السريع تحول من:
أداة قتل وترهيب مستأجرة → إلى منافس
الهدف من الإشعال المبكر:
ضربه قبل أن يتحول إلى سلطة سياسية كاملة
6. الهروب من العدالة (هدف حاسم جدًا)
ملفات:
فساد
جرائم
انتهاكات
كانت تتجه نحوهم
الحرب تحقق:
تعطيل القضاء
ضياع الأدلة
إعادة ترتيب الحصانة
7. حماية الاقتصاد الموازي (اقتصاد الظل)
شبكاتهم الاقتصادية كانت مهددة
الحرب =
لا رقابة
لا شفافية
استمرار السيطرة على الموارد
8. إعادة هندسة المشهد السياسي بالكامل
بدل:
ثورة → انتقال → ديمقراطية
يصبح:
حرب → فوضى → تسوية جديدة
وفي هذه التسوية:
يعودون كلاعب رئيسي
9. تفكيك الكتلة الثورية من الداخل
الحرب تؤدي إلى:
نزوح
فقر
إنهاك
الهدف:
كسر الإرادة الجماهيرية
إنهاء الزخم الثوري
10. إعادة إنتاج الشرعية عبر “الحرب”
في غياب الانتخابات:
الشرعية تُصنع بالقوة
الحرب تعطيهم:
شرعية الأمر الواقع
خطاب “حماة الدولة”
11. استدعاء العمق الأيديولوجي (الدين + الخوف)
الحرب تتيح:
تعبئة دينية
تخويف من “الانهيار” أو “العدو الداخلي”
12. خلق نقطة لا عودة (Point of No Return)
أخطر هدف:
إدخال البلاد في وضع يستحيل معه الرجوع لما قبل الحرب
لأن:
الرجوع = عودة المساءلة
بينما الاستمرار = إعادة تشكيل النظام
رابعًا: لماذا “التفجير المبكر” مهم؟
إشعال الحرب في توقيت معين يحقق:
ضرب الخصوم قبل اكتمال قوتهم
إفشال أي تسوية سياسية كانت قريبة
فرض واقع جديد بالقوة قبل نضوج البدائل
العنوان الفرعي
الأخطاء الكارثية لسلطة الانتقال التي كان يفترض أن تكون سلطة الثورة، وتسريع اكتمال انتصار الفعل الثوري
ما حدث بعد الثورة السودانية 2019 لم يكن مجرد تعثر… بل كان انحرافًا عن مسار الثورة نفسها.
1. القبول بالشراكة مع بقايا النظام
بدل تفكيك شبكة الحركة الإسلامية السودانية داخل الدولة
تم التعايش معها
فبقيت الدولة العميقة كما هي… تنتظر لحظة الانقضاض
2. بطء قاتل في تفكيك التمكين
لجان التفكيك لم تُدعَم بما يكفي
القرارات لم تُحمَ سياسيًا ولا أمنيًا
فتم الالتفاف عليها وإضعافها
3. تجاهل إصلاح المؤسسة العسكرية
لم يتم بناء جيش وطني مهني
لم تُحسم مسألة تعدد الجيوش
بقيت قوات الدعم السريع كقوة موازية
هذه كانت القنبلة الموقوتة
4. الابتعاد عن الجماهير
الثورة كانت في الشارع
لكن السلطة انتقلت إلى غرف مغلقة
النتيجة:
فقدان السند الشعبي
ضعف الحماية السياسية
5. إدارة سياسية بلا رؤية ثورية
غياب مشروع واضح للدولة الجديدة
إدارة يومية للأزمات بدل تغيير جذري
6. التردد بدل الحسم
في كل الملفات:
العدالة
الأمن
الاقتصاد
كان هناك تردد… بينما الخصوم كانوا يحسمون
ثانيًا: دور الأطراف المحلية والإقليمية والدولية في ضرب الثورة
1. الأطراف المحلية
بقايا النظام القديم: عملت على التخريب من الداخل
قوى سياسية انتهازية: فضّلت السلطة على الثورة
انقسامات داخل القوى المدنية نفسها
2. الأطراف الإقليمية
بعض القوى الإقليمية:
لا تريد نموذجًا ديمقراطيًا ناجحًا في السودان
تخشى انتقال العدوى الثورية
لذلك:
دعمت أطرافًا عسكرية
غذّت الصراع بدل حله
استثمرت في الانقسام
3. الأطراف الدولية
الموقف الدولي كان:
براغماتيًا لا مبدئيًا
النتيجة:
دعم الاستقرار الشكلي بدل التحول الحقيقي
قبول حلول هشة
ترك السودان في منطقة رمادية
ثالثًا: اقتصاد الحرب والتفاهة والفوضى
1. اقتصاد الحرب
تهريب الذهب
السيطرة على الموارد
تجارة السلاح
اقتصاد خارج الدولة
الحرب هنا تصبح مربحة
وهذا أخطر ما فيها
2. صناعة التفاهة
في موازاة الحرب:
يتم تضخيم شخصيات تافهة
صناعة ترندات فارغة لصناعة الفوضى وضرب القييم
تشتيت وعي الناس
ما يمكن تسميته: سلطة التفاهة
3. الفوضى كأداة حكم
الفوضى ليست نتيجة فقط… بل أداة:
لإضعاف المجتمع
لكسر التنظيم الثورى
لمنع أي مشروع وطني
رابعًا
لا حل غير استعادة الجماهير إلى دورها المفقود والمغتصب
الحقيقة القاسية:
لا الجيش… ولا النخب… ولا الخارج… سيبني السودان
القوة الوحيدة القادرة على ذلك هي الجماهير
1. الدور المسلوب
الجماهير التي صنعت الثورة السودانية 2019:
تم إقصاؤها
تم تهميشها
تم استبدالها بصفقات سياسية
2. مسؤولية سلطة الانتقال
على قوى الانتقال أن:
تعترف بأخطائها بوضوح
لا بالكلام… بل بالفعل
3. النقد الحقيقي للتجربة
النقد ليس:
تبرير
أو إعادة تدوير نفس الوجوه
بل:
مراجعة جذرية
تغيير في السلوك السياسي
4. العودة إلى الجماهير
الحل ليس نظريًا:
بل عملي:
إعادة بناء التحالف مع الشارع
تمكين لجان المقاومة
إعادة القرار للجماهير
5. السؤال الحاسم
هل النخب مستعدة لهذا التحول؟
أم أنها لا تزال ترى:
الشعب تابعًا؟
أو “رعية”؟
أو متخلفًا؟
الخلاصة
السودان اليوم أمام مفترق طرق:
إما استمرار الحرب كأداة لإعادة إنتاج نفس النظام
أو استعادة الثورة لمسارها الحقيقي
ولا طريق ثالث.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.