بين الرياض ومسقط… ماذا يخفي البرهان خلف دبلوماسية الأزمات؟

نورا عثمان

ليست كل الزيارات الرسمية بروتوكولية كما تبدو في صورها الأولى. بعض الرحلات تُقرأ في تفاصيلها غير المعلنة، في توقيتها، وفي الملفات التي تُفتح خلف الأبواب المغلقة. هكذا بدت جولة قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان إلى السعودية وسلطنة عُمان؛ زيارة مثقلة بأسئلة أكبر من بياناتها الرسمية، وتكشف – إن صحت المعطيات المتداولة – عن حجم التعقيد الذي وصل إليه المشهد السوداني.
في الرياض، لم يكن اللقاء مجرد تنسيق عابر بين حليفين، بل – وفق ما نقلته مصادر دبلوماسية – مواجهة صريحة حول ملفات حساسة، على رأسها صفقة سلاح باكستانية كانت موجهة لدعم الجيش السوداني. إلغاء الصفقة، إن تأكد، لا يمكن فصله عن سياق أوسع: إعادة تقييم إقليمي للعلاقة مع الخرطوم، في ظل ضبابية مواقفها وتحالفاتها خلال الحرب.
الأكثر لفتاً، بحسب تلك التسريبات، هو طرح ملف العلاقة مع إيران. فالسعودية، التي تخوض توازناً دقيقاً في الإقليم، لا يمكن أن تتجاهل أي تقارب محتمل بين الخرطوم وطهران، خاصة إذا ارتبط بملفات عسكرية. هنا تتحول الزيارة من طلب دعم إلى محاولة لاحتواء قلق، وربما لتقديم تفسيرات في لحظة سياسية شديدة الحساسية.
لكن المسألة لا تقف عند حدود العلاقات الخارجية، بل تمتد إلى الداخل السوداني نفسه. فالتشكيك في طبيعة القوى المؤثرة داخل مؤسسات الدولة، والحديث عن صعوبة إبعاد تيارات بعينها من المشهد، يضع القيادة العسكرية أمام معضلة حقيقية: كيف تقنع شركاءها بأنها تمثل دولة، لا تحالفات متغيرة داخلها؟
ثم تأتي محطة مسقط، التي تبدو – في ضوء ما أوردته المصادر – أكثر تعقيداً. الحديث عن ملفات مالية وصفقات سلاح، وعن ارتباطات عائلية وتجارية عابرة للحدود، يفتح باباً آخر من التساؤلات حول تداخل الخاص والعام في إدارة هذا الملف. وحتى لو بقيت هذه المعطيات في إطار الادعاءات غير المؤكدة، فإن مجرد تداولها بهذا الزخم يكشف حجم أزمة الثقة التي تحيط بالمشهد.
ما يجمع بين الرياض ومسقط ليس فقط الجغرافيا، بل الرسالة: السودان لم يعد ملفاً داخلياً، بل بات جزءاً من معادلة إقليمية ودولية شديدة الحساسية. أي خطوة، أي تحالف، وأي صفقة، تخضع لحسابات تتجاوز حدود الخرطوم.
المشكلة الحقيقية ليست في زيارة هنا أو لقاء هناك، بل في غياب رؤية واضحة تُخرج السودان من هذا التشابك. فالدبلوماسية، مهما نشطت، لا يمكن أن تعوّض غياب الاستقرار الداخلي، ولا أن تُخفي تناقضات السياسة على الأرض.
اليوم، يقف السودان في لحظة مفصلية: إما أن يعيد تعريف علاقاته على أساس شفاف ومتوازن، أو يظل عالقاً في دائرة الشكوك والضغوط. وبين العاصمتين، لم يكن السؤال فقط ماذا قال البرهان، بل ماذا يستطيع أن يقدّم في واقع تتنازعه الحرب والتحالفات المتبدلة.
في النهاية، ما يُحسم في الغرف المغلقة قد يحدد مصير بلد بأكمله. لكن الحقيقة الأهم تبقى خارج تلك الغرف: لا استقرار بلا وضوح، ولا دعم بلا ثقة، ولا دولة يمكن أن تنهض وهي عالقة بين محاور متناقضة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.