إذا أردنا أن نفهم حجم الخراب الذي أحدثته سلطة الكيزان في السودان، فعلينا أن ننظر إلى أكثر القطاعات حساسية في المجتمع: التعليم. ففي هذا الميدان تحديدًا تتجلى الجريمة كاملة؛ لأنهم لم يكتفوا بتدمير البنية التعليمية، بل عبثوا بميزان العدالة نفسه، ونسفوا منظومة الحقوق التي كانت تحفظ للمعلم مكانته وكرامته.
إن ما فعلته الإنقاذ بالتعليم — عبر نقابتها المصنوعة خصيصًا لتضييع الحقوق وتخدير المعلمين بالشعارات — لا يحتاج إلى كثير جهد في التحليل، فآثاره واضحة في كل شيء: في المرتبات الهزيلة، في الإهانة الممنهجة، في تراجع الهيبة، وفي تحويل مهنة كانت يومًا من أشرف المهن إلى وظيفة بالكاد تُبقي صاحبها على قيد الاحتمال.
لكن قبل أن نتحدث عن هذا السقوط، علينا أن نتذكر كيف كان المعلم السوداني يُعامل في عهود ما قبل الإنقاذ؛ ليس من باب الحنين المجرد، بل من باب المقارنة التي تكشف عمق الجريمة.
كان المعلم ينال حقوقه بشرف وكبرياء. وكان مرتبه مجزيًا إلى حد أن أغنيات البنات نفسها كانت تحتفي به: “يا الماشي لباريس… جيب لي معاك عريس… شرطًا يكون لبيس… من هيئة التدريس.”
ولم تكن تلك مجرد مبالغة شعرية، بل انعكاسًا لمكانة اجتماعية حقيقية. كان المعلم رمزًا للاستقرار والوجاهة، ووجهًا من وجوه الاحترام المجتمعي.
ويروي الزميل عبد العظيم سيد أحمد — بحسرة ممزوجة بالدهشة — أنهم كانوا يُرسلون إلى قاهرة المعز لشراء احتياجاتهم، حتى الملابس الداخلية. ويحكي الأخ العزيز حامد الطيب عن سفره إلى لبنان لحضور مباراة بين فريق سوداني وآخر لبناني. أما أستاذنا حسن بابكر، فكان يروي — في طرفة تختزن واقعًا مختلفًا — أن فطور المعلمين كان يضم ثلاثة أصناف من الكبدة: كبدة نيئة، وكبدة نصف استواء، وكبدة كاملة الاستواء.
ومن أشهر الحكايات التي ظل المعلمون يتداولونها، بعد أن انتهت الهيبة وعمّ الفقر جميع المعلمين، قصة المعلم الذي ترك التعليم، ولما سُئل عن سبب مغادرته “مهنة الأنبياء”، قال: “أنا، والله، اشتغلت معلم عشان فطور المعلمين… والآن، تركت الشغل عشان فطور المعلمين.”
وهي نكتة تختصر التحول العجيب بين زمنين: زمن كان فيه فطور المعلمين رمزًا للرفاه النسبي، وزمن صار فيه المعلم — حتى قبل الحرب — يقتات على البليلة إن وُجدت. أما بعد الحرب، فالله أعلم بأي شيء يسد رمقه.
غير أن القضية ليست مجرد كبدة وبليلة، وليست مجرد حكايات عن السفر والامتيازات. القضية أعمق من ذلك بكثير؛ إذ إن المعلم السوداني كان يتمتع بوضع متقدم من جميع النواحي: تأهيلاً، وتنظيمًا، وحقوقًا مادية وأدبية.
كانت هناك منظومة واضحة تحفظ لكل معلم حقه، وتحدد واجباته بدقة. يحكي أستاذنا الراحل حبيب عبد العزيز أن نقابة المعلمين كانت تصل إلى المدارس نفسها لحل مشاكل صغار المعلمات والمعلمين مع ادارات المدارس. كانت النقابة مؤسسة حقيقية للدفاع عن الحقوق، لا أداة للترويض السياسي.
وكانت الإعارات والانتدابات تتم وفق جداول معلومة وواضحة. كل معلم يعرف متى يحين دوره. ولم تكن المسألة خاضعة للمزاج أو الولاء الحزبي.
وكان معلمو المرحلة المتوسطة يُنتدبون ملحقين ثقافيين في سفارات السودان حول العالم، في اعتراف رسمي بمكانتهم وكفاءتهم.
بل إن الكتيبات التنظيمية كانت تحدد الوصف الوظيفي بدقة مذهلة: دور المدير، مهام الوكيل، وحتى شكل طاولة المدير وعدد أدراجها. لم يكن ذلك عبثًا إداريًا، بل تعبيرًا عن دولة تعرف قيمة النظام.
إشعارات الترقية كانت تصل في وقتها، وبالسِّيرك الرسمي، وفروقات الترقية تُصرف فورًا، والمرتب يُعدَّل آنيًا. وكانت العقوبات المدرسية تخضع للوائح واضحة تحدد من ينفذها حسب الدرجة الوظيفية. وكان عدد الحصص مضبوطًا وفق الدرجة.
كما كانت منازل المعلمين تُوزَّع وفق معايير محددة، وبمواصفات تناسب كل درجة. وكان الاختيار لأعمال الامتحانات — من الكنترول، والتصحيح، واختيار كبار المراقبين والمراقبين، وواضعي الامتحانات، والمستشارين، وكبار المصححين — يتم وفق ضوابط دقيقة.
بل حتى اختيار المعلم نفسه كان يتم بشروط صارمة، والبيئة التي يعمل فيها كانت تُدار بإجراءات دقيقة ومدروسة ومتساوية في جميع مدارس السودان.
وكان التوجيه الفني يحدد من يستحق الترقية ومن عليه أن ينتظر، بعيدًا عن المحاباة. وكان التدريب المستمر شرطًا أساسيًا لتطوير العملية التعليمية، لا نشاطًا شكليًا.
أما الإجازات السنوية، وأذونات السفر بالقطارات والطائرات، فكانت تأتي في موعدها، ليظل المعلم متحركًا بين مدن السودان وبواديه كالنحلة، ينشر العلم ويعود مكرمًا.
ثم جاءت الإنقاذ (الله لا كسبهم).
جاءت لا لتصلح، بل لتخرب. لا لتطور، بل لتخضع. فاستبدلت النقابة الحرة بجسم مصنوع على مقاس السلطة، وحولت الحقوق إلى مِنح تُعطى بالولاء، لا استحقاقات تُنال بالقانون.
أصبح الترقي مرهونًا بالانتماء، والإعارة حكرًا على أهل الثقة، والمرتبات هزيلة، والتدريب غائبًا، واللوائح مُفرغة من معناها.
لقد ضربت الإنقاذ جوهر العدالة المهنية، وعبثت بمفتاح ضبط المصنع؛ فلم يعد هناك معيار واضح، ولا شفافية، ولا احترام للتدرج الوظيفي. ومن هنا بدأ الانهيار الحقيقي.
حين يُهان المعلم، تُهان المدرسة. وحين تُكسر هيبة التعليم، يُفتح الباب لانهيار المجتمع كله.
ذلك هو التخريب الأعظم الذي أحدثته سلطة الكيزان: لم تسرق المال فقط، بل سرقت معنى العدالة في المهنة، وبددت الثقة في المؤسسات، وحولت المعلم من صاحب رسالة إلى ضحية تبحث عن النجاة.
وما لم يُستعد ذلك الميزان — ميزان الحقوق والكرامة والعدالة — فلن ينهض التعليم، ولن يستقيم الوطن. لأن الأمم لا تُبنى بالشعارات، بل تُبنى حين يُعاد للمعلم حقه، ويُرفع مقامه، ويُصان شرف مهنته.
ولا بد من التأكيد على أن نجوم المجتمع الحقيقيين هم المعلمون، وهم الفنانون، ولاعبو الكرة المحترفون، والمشاهير من الشعراء، والممثلين، والكتاب، والمثقفين. فإذا كنا نطمح إلى التخطيط لمستقبل هذا البلد، فعلينا أن نهتم بهذا الملف الحيوي، لأنه أساس النهضة وأصل البناء.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.