صلاح قوش.. رجل الظل بين الدولة العميقة وتقلبات السلطة

تقرير: عين الحقيقة

في تاريخ السودان الحديث، قلّما برزت شخصية أمنية أثارت من الجدل بقدر ما أثاره صلاح عبد الله محمد صالح، المعروف بـ“صلاح قوش”. رجلٌ صعد من أروقة الأجهزة السرية إلى قلب السلطة، ثم عاد مراراً من الهامش إلى المشهد، كأنّه جزء من بنية لا تختفي، بل تغيّر مواقعها.
قوش ليس مجرد مسؤول أمني سابق، بل نموذج مكثّف لفكرة “الدولة العميقة” في السودان؛ حيث تختلط المعلومات بالنفوذ، وتتحول الأجهزة إلى أدوات حكم، لا مجرد مؤسسات حماية.

لم يكن صعود قوش مستقراً. فداخل النظام نفسه، برزت صراعات بين مراكز القوى، خاصة بين الأجهزة الأمنية ودوائر الحركة الإسلامية. في عام 2009، أُقيل من منصبه..

البدايات.. من الهندسة إلى الاستخبارات
وُلد صلاح قوش في شمال السودان، ودرس الهندسة، قبل أن يجد طريقه إلى جهاز الأمن والمخابرات في تسعينيات القرن الماضي، خلال صعود نظام الرئيس المعزول عمر البشير وتحالفه مع الحركة الإسلامية. في تلك الفترة، لم يكن الجهاز الأمني مجرد مؤسسة تقليدية، بل كان أحد أعمدة النظام، يعتمد عليه في تثبيت السلطة، ومواجهة الخصوم، داخلياً وخارجياً. تدرّج قوش بسرعة داخل هذا الجهاز، مستفيداً من قدراته التنظيمية، وقربه من دوائر القرار، حتى أصبح أحد أبرز وجوهه.
صعود سريع.. مهندس الأمن في عهد البشير
في منتصف الألفية، تولى قوش رئاسة جهاز الأمن والمخابرات، ليصبح أحد أقوى رجال النظام. خلال هذه المرحلة، لعب دوراً محورياً في إدارة ملفات حساسة، شملت مكافحة التمرد، والعلاقات الاستخباراتية الإقليمية والدولية. ويشير محللون إلى أن قوش نجح في بناء شبكة علاقات مع أجهزة استخبارات خارجية، خاصة في سياق “الحرب على الإرهاب”، ما منح النظام السوداني آنذاك هامشاً من المناورة الدولية رغم العزلة السياسية. لكن هذا النفوذ لم يكن بلا ثمن، إذ ارتبط اسمه أيضاً باتهامات تتعلق بانتهاكات حقوق الإنسان، وقمع المعارضين، في مرحلة شهدت تشديد القبضة الأمنية على الحياة السياسية.
صراعات داخلية.. من القمة إلى السقوط
لم يكن صعود قوش مستقراً. فداخل النظام نفسه، برزت صراعات بين مراكز القوى، خاصة بين الأجهزة الأمنية ودوائر الحركة الإسلامية. في عام 2009، أُقيل من منصبه، في خطوة اعتبرها مراقبون نتيجة لتوازنات داخلية معقدة. لاحقاً، واجه اتهامات تتعلق بمحاولة انقلاب، قبل أن يُفرج عنه، في واحدة من أكثر فصول مسيرته غموضاً.
يقول باحث في الشأن السوداني إن “قصة قوش داخل النظام تعكس طبيعة السلطة في تلك المرحلة: تحالفات متغيرة، وصراعات مكتومة، وسقوط مفاجئ ثم عودة محتملة”.
عودة مفاجئة.. ثم انهيار النظام
في عام 2018، عاد قوش إلى واجهة المشهد مجدداً بتعيينه مديراً لجهاز الأمن، في وقت كانت فيه البلاد على أعتاب احتجاجات شعبية واسعة. لكن هذه العودة لم تدم طويلاً، إذ سرعان ما سقط نظام البشير في 2019 تحت ضغط الشارع، ليجد قوش نفسه خارج السلطة مرة أخرى، في لحظة مفصلية أعادت رسم الخريطة السياسية في السودان.

ظل حضور قوش محاطاً بالغموض. لا يظهر كثيراً في العلن، لكن اسمه يتكرر في سياقات متعددة، تتعلق بشبكات النفوذ القديمة، أو التحركات المرتبطة بالصراع السياسي والعسكري..

ما بعد السقوط.. غياب أم إعادة تموضع؟
منذ ذلك الحين، ظل حضور قوش محاطاً بالغموض. لا يظهر كثيراً في العلن، لكن اسمه يتكرر في سياقات متعددة، تتعلق بشبكات النفوذ القديمة، أو التحركات المرتبطة بالصراع السياسي والعسكري.
وفي تطور حديث، ورد اسمه ضمن قائمة متهمين في قضية أعلنتها النيابة العامة في دولة الإمارات، تتعلق باتهامات بالاتجار غير المشروع في العتاد العسكري وغسل الأموال، في ملف مرتبط بمحاولة تهريب أسلحة لحكومة بورتسودان.
رجل العلاقات المعقدة
يُجمع مراقبون على أن أحد أبرز عناصر قوة قوش كان قدرته على بناء علاقات متشابكة، داخل السودان وخارجه. فقد تعامل مع أطراف متناقضة، من حركات مسلحة إلى أجهزة استخبارات دولية، في شبكة علاقات يصعب تفكيكها بسهولة. هذه القدرة جعلته، في نظر البعض، رجل المهمات الصعبة، وفي نظر آخرين، رمزاً لمرحلة استخدمت فيها الدولة أدواتها الأمنية لإدارة السياسة.
بين الاتهام والتأثير
يبقى تقييم شخصية صلاح قوش محل انقسام حاد. فبينما يراه أنصاره رجل دولة خدم مؤسسات الأمن، يعتبره منتقدوه أحد مهندسي النظام الأمني الذي ساهم في تقويض الحياة السياسية. لكن ما لا خلاف عليه، أن تأثيره لم يكن عابراً، وأن اسمه سيظل حاضراً في أي قراءة لتاريخ السودان الحديث، خاصة في ما يتعلق بعلاقة السلطة بالأجهزة الأمنية.
صلاح قوش فصل كامل من قصة السودان المعاصرة؛ قصة تتشابك فيها الخيوط بين الأمن والسياسة، وبين الدولة والظل. وفي بلد ما زال يبحث عن توازن بين القوة والحرية، تبقى سيرة قوش تذكيراً بسؤال لم يُحسم بعد: هل يمكن بناء دولة بلا ظلال الماضي، أم أن هذه الظلال تعود دائماً بأسماء جديدة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.