كتائب الظل في حرب السودان.. كيف أصبحت الجماعات الجهادية العقبة الأكبر أمام السلام؟

تقرير : عين الحقيقة

مع استمرار الحرب في السودان وتعقّد مساراتها العسكرية والسياسية، لم يعد المشهد القتالي مقتصراً على القوات النظامية التقليدية، بل برزت إلى السطح تشكيلات مسلحة ذات طابع أيديولوجي مرتبطة بالحركة الإسلامية، تشارك بصورة مباشرة في المعارك إلى جانب الجيش السوداني.
وتكشف مصادر ميدانية وسياسية أن كتيبة البراء، التي نالت حضوراً إعلامياً واسعاً خلال الأشهر الماضية، ليست سوى الوجه الأكثر ظهوراً ضمن شبكة أوسع من الكتائب ذات الخلفيات الجهادية والتنظيمية، تضم مجموعات مثل: كتيبة الشهيد أنس، البرق الخاطف، كتيبة الطيارين، جنود الحق، عبد الله جماع، وأنصار دولة الشريعة. ويرى مراقبون أن تعدد هذه التشكيلات يشير إلى وجود بنية موازية داخل الحرب، تتجاوز منطق التعبئة العسكرية التقليدية إلى مشروع تعبوي أيديولوجي يستثمر الصراع لإعادة تمكين التيارات الإسلامية داخل الدولة والمجتمع.

من بين الأسماء المتداولة، تبرز كتيبة أنصار دولة الشريعة بوصفها من أكثر المجموعات إثارة للقلق، نظراً لما يوصف بانتمائها إلى التيار السلفي الجهادي..

كتيبة البراء.. الواجهة الرسمية
خلال الفترة الماضية، برز اسم لواء أو كتيبة البراء في الخطاب الإعلامي المؤيد للجيش، حيث جرى تقديمها بوصفها نموذجاً لـ”المستنفرين” أو المتطوعين الذين يقاتلون دفاعاً عن الدولة. لكن محللين يرون أن إبراز البراء بهذا الشكل لم يكن أمراً عفوياً، بل محاولة لتقديم صورة أكثر انضباطاً وأقل تطرفاً مقارنة بكتائب أخرى ذات توجهات أكثر تشدداً، يصعب تسويقها داخلياً وخارجياً. ويقول باحث في شؤون الجماعات المسلحة إن “البراء تمثل واجهة مقبولة نسبياً، بينما توجد تشكيلات أخرى أكثر تشدداً جرى إبقاؤها بعيداً عن الضوء”.
كتائب أكثر تشدداً في الخلفية
من بين الأسماء المتداولة، تبرز كتيبة أنصار دولة الشريعة بوصفها من أكثر المجموعات إثارة للقلق، نظراً لما يوصف بانتمائها إلى التيار السلفي الجهادي، وهو تيار يتبنى خطاباً عابراً للدولة الوطنية، ويرفض النظم الديمقراطية والمدنية.
كما تشير معلومات متقاطعة إلى وجود مجموعات أخرى تعمل تحت مسميات مختلفة، بعضها يتشكل على أساس مناطقي أو دعوي، وبعضها الآخر يضم عناصر قاتلت سابقاً في ساحات مختلفة أو تلقت تدريبات شبه نظامية. ويرى خبراء أمنيون أن تعدد المسميات لا يلغي وحدة الهدف السياسي، والمتمثل في توسيع نفوذ الإسلاميين داخل المعادلة العسكرية.
ضغوط دولية وقلق متزايد
مع تصاعد الحديث عن دور هذه الكتائب، واجهت السلطة القائمة ضغوطاً متزايدة من المجتمع الدولي، خاصة في ظل المخاوف من تحول الحرب السودانية إلى بيئة جاذبة للتطرف المسلح.
وفي هذا السياق، جاءت تصريحات منسوبة إلى رئيس مجلس السيادة عبد الفتاح البرهان أشار فيها إلى أن صوت كتيبة البراء أصبح عالياً ويثير قلق المجتمع الدولي، في إشارة نادرة إلى حساسية الملف. ويرى دبلوماسيون أن أي انطباع بوجود جماعات جهادية فاعلة داخل المعركة سيصعّب جهود استعادة الدعم الدولي، ويزيد عزلة السودان في المحافل الإقليمية والدولية.
رد سريع من قيادة البراء
عقب هذه التصريحات، سارع قائد كتيبة البراء المصباح طلحة إلى التأكيد أن الكتيبة تعمل تحت إمرة القوات المسلحة، وأن تسليحها يأتي من الجيش السوداني، في محاولة لنفي أي صورة توحي بوجود تشكيل مستقل أو خارج السيطرة. لكن مراقبين يرون أن هذا النفي لا يبدد المخاوف بالكامل، إذ إن المشكلة لا تتعلق فقط بسلسلة القيادة، بل بطبيعة التعبئة الفكرية، وهوية العناصر، وأهداف هذه المجموعات بعد انتهاء الحرب.
من يصدر الأوامر فعلياً؟
أحد أكثر الأسئلة حساسية في هذا الملف يتعلق بمن يوجّه هذه التشكيلات. فبحسب مصادر سياسية، فإن كثيراً من هذه المجموعات تتلقى تأثيراً مباشراً من شخصيات مدنية مرتبطة بالحركة الإسلامية، أكثر من تلقيها أوامرها من البنية العسكرية النظامية. وتقول المصادر إن بعض القيادات المدنية القديمة، التي فقدت نفوذها بعد سقوط نظام البشير، وجدت في الحرب فرصة لإعادة التموضع عبر دعم شبكات التعبئة والاستنفار. وهذا يعني، وفق محللين، أن الحرب لم تعد فقط صراعاً بين قوتين عسكريتين، بل أصبحت أيضاً ساحة لتنافس مشاريع سياسية تستخدم السلاح كأداة.
المقاومة الشعبية.. الرافد الجديد
قرار البرهان بتكوين ما عُرف بـالمقاومة الشعبية منح هذه التيارات دفعة إضافية، إذ فتح الباب واسعاً أمام عمليات التعبئة والتجنيد خارج الأطر العسكرية التقليدية. وتشير مصادر محلية إلى أن كثيراً من القيادات المشرفة على الاستنفار والتعبئة جرى اختيارها من كوادر مرتبطة بـحزب المؤتمر الوطني المحلول أو بالحركة الإسلامية السودانية، ما عزز المخاوف من استخدام هذا الإطار لإعادة بناء شبكات النفوذ القديمة. ويرى مراقبون أن هذا المسار قد يخلق مستقبلاً تحديات خطيرة تتعلق بالسلاح المنفلت، وازدواجية الولاء، وصعوبة دمج هذه المجموعات في دولة ما بعد الحرب.
العقبة الأكبر أمام وقف الحرب
يرى خبراء أن وجود كتائب عقائدية متشددة داخل المشهد القتالي يمثل إحدى أكبر العقبات أمام أي تسوية سياسية، لأن هذه الجماعات غالباً ما تنظر إلى الحرب بوصفها معركة وجودية، لا نزاعاً قابلاً للتفاوض. كما أن مصالحها ترتبط باستمرار التعبئة، وتوسع النفوذ، وتأجيل أي انتقال مدني قد يهمش دورها. ولهذا، فإن أي اتفاق لوقف إطلاق النار لا يتضمن معالجة ملف هذه التشكيلات، ونزع سلاحها أو دمجها وفق معايير مهنية، قد يبقى هشاً وقابلاً للانهيار.
السودان أمام اختبار الدولة
تجارب المنطقة أثبتت أن الدول التي تسمح بنمو التشكيلات العقائدية الموازية تدفع ثمناً باهظاً لاحقاً، سواء في الاستقرار أو وحدة القرار الأمني أو فرص بناء المؤسسات. واليوم يقف السودان أمام السؤال ذاته: هل يستعيد الدولة عبر جيش وطني مهني ومؤسسات مدنية، أم ينزلق إلى نموذج تتقاسم فيه البنادق الأيديولوجية سلطة القرار؟ الإجابة عن هذا السؤال قد تحدد ليس فقط نهاية الحرب، بل شكل السودان لعقود قادمة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.