الجميل الفاضل يكتب: رصاصة الرحمة في بيت النار؟!

من المفترض أن يضع القاضي الفيدرالي بيرسي أندرسون، يوم الجمعة القادم، النقاط علي حروف وثيقة اتهام “الفراشة المحترقة” شميم مافي.

لكن السؤال: هل نحن أمام محاكمةٍ عابرةٍ لسمسارةِ السلاحٍ الإيرانية في دهاليز القضاء الأمريكي، أم أننا على حافةِ مرآةٍ تُعاد فيها كتابةُ معنى ما يجري في السودان برمته؟

هنا، حيثُ كانت تُسوَّقُ المأساةُ في هيئةِ “حرب كرامة”، تنشقُّ اللغةُ عن نفسها، وتسقطُ أقنعتها، لتكشّفَ الوثائقُ الصاعدةُ من “لوس أنجلوس” كأنها قنابلُ ضوءٍ، عن تسمية جديدة للأشياء تقول: ما يحدث ليس حربًا… إنما هو استثمارٌ في الدم، تديره عقولٌ عابرةٌ للقارات، لا ترى في البلاد سوى حقلِ تجارب.

ولذلك، لا تبدو هذه المحاكمة شأنًا أمريكيًا محضاً؛ بل مصلًا يُحقن في وعي السودانيين، ليكسرَ حمى التضليل، وليوقظَ جهازاً للمناعة في ذاكرةٍ أُرهِقَت الي حد نسيان كل شيء.

إنها لحظةُ انكشافٍ فادح: حين يغدو الوطنُ مختبرًا، والإنسانُ عيّنة، والحربُ معادلةً تقنيةً تُجرَّبُ على اللحم الحي.

هكذا تتعرّى الحقيقة، كما التقطتها “فوكس نيوز”، لا بوصفها خبرًا، بل كصورةٍ مرعبةٍ لإنسانٍ يُساق قسرًا تحت النار إلى قدرِ “فأر التجارب”، إذ تقول القناة:

“التحقيقات كشفت أن المكونات الإلكترونية التي حصلت عليها ‘شميم مافي’ من كاليفورنيا، وُجدت لاحقًا في حطام طائرات مسيّرة انتحارية التُقطت من رمال كردفان، بما يثبت أن السودان قد أصبح مختبرًا ميدانيًا للتأكد من نجاعة دمج التكنولوجيا الغربية في أنظمة السلاح الإيرانية.”

ومن بورتسودان، لا تُرسلُ رسائلُ دولة، لكن شظايا تجربةٍ مضمخةٍ بالدم، تُشحَنُ نتائجها إلى طهران، لتُعادُ صياغةُ الموت، وتُحسَّنُ كفاءته، بينما يُدفعُ الثمنُ من دماءِ الناسِ وقوتهم… ومن أعمارهم التي تُستنزفُ في صمت.

أما الذين يتذرّعون بـ”حق الدولة” في التسلّح، فإنهم يتحدثون عن كيانٍ لم يعد قائمًا إلا كقشرةٍ جوفاء؛ فالدول لا تشتري أمنها من الظل، ولا تستوردُ بقاءها عبر تطبيقاتٍ مشفّرة، ولا تُسلّمُ سماءها لتكونَ مغسلةً سريةً لعبور العقول الإلكترونية نحو خرائط الهيمنة الإقليمية.

ليست المسألة إذًا حقًا في السلاح، بل سقوطٌ مدوٍّ للدولة في قبضةِ تنظيمٍ حوّل الجيشَ من درعٍ إلى واجهة، ومن وطنٍ إلى ممرٍّ لصفقات الموت.

فقد أكدت “فوكس نيوز” أن المال لم يمر عبر شرايين الدولة، لكن عبر جهازٍ سرّيٍ موازٍ، اقتصادٍ سفليٍ ينمو تحت الأرض، كفطرٍ سامٍّ يتغذى على هذا الخراب، كما جري بالضبط علي لسان فوكس نيوز التي تقول:

“لم تمر الأموال عبر القنوات البنكية الرسمية للدولة السودانية، بل عبر شبكة معقدة من شركات الاستيراد والتصدير التابعة لقيادات في النظام السابق، فيما أسماه التقرير ‘اقتصاد حرب موازٍ’.”

وهنا، يتبدّى الفرق الفاصل بين جيشٍ يحرس الوطن، وتنظيمٍ يختطفه؛ بين قوةٍ تحمي، وأخرى تُقايض السيادة في سوقٍ معتمةٍ لا تعرفُ الأوطان.

وكما ترى واشنطن في هذه المحاكمة انتصارًا لقوانينها، قد نراها نحن شهادة ميلادٍ متأخرةٍ لوعيٍ بحقيقة هذه الحرب، كان ينبغي أن يولد منذ زمنٍ بعيد.

إنها محاكمةٌ لا تُدينُ شخصًا بقدر ما تفضحُ سرديةً كاملة؛ تمزّقُ ستارَ التضليل، وتعملُ كلقاحٍ ضد وباء الزيف الذي استوطن العقول.

تمهّدُ لأن يُبصرَ الشعب: من الذي استبدل الخبزَ بالبارود، ومن الذي حوّل حلمَ الحكم المدنيَّ إلى كابوسٍ جيوسياسيٍّ تتنازعُه الخرائط.

فوفقًا لـ”فوكس نيوز”، لم تكن شميم سوى قناةٍ خلفيةٍ في شبكةٍ أوسع، تربطُ بين الحركة الإسلامية والحرس الثوري، لتُعادَ صياغةُ السودان كقاعدةٍ أماميةٍ في لعبة النفوذ.

ففي الجمعة الثامن من مايو، لن تُستجوب امرأة فحسب… بل سيُستدعى زمنٌ كاملٌ إلى منصة الاتهام.

هناك، لن يُنطق بالحكم على فرد، لكن على عصرٍ كاملٍ من التمويه؛ على خطابٍ نجح طويلًا في خداع العيون، وفشل أخيرًا في خداع الوقائع.

حينها فقط، قد يستردّ السوداني بصره… وربما بصيرته.

فالحروب التي تعيش على أسرار المحاكم الأجنبية، لا يمكن أن تولد من رحمها كرامة.

لقد انكسر الغلاف الأخير، وسقطت الأقنعة الثقيلة، ولم يبقَ لنا… إلا أن ننظر إلى الحقيقة عاريةً، كما هي.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.