الحكم اللامركزي من قبضة المركز إلى أفق الدولة العادلة

المحامي/ سعد منقلا

ظلّ السودان منذ العام 1956م نموذج الحكم المركزي هو الإطار الحاكم لإدارة الدولة حيث تركزت السلطة السياسية والاقتصادية في العاصمة بينما عانت الأقاليم من التهميش البسيط والمركب وغياب التنمية .

 ولم تكن هذه المركزية مجرد خيار إداري بل تحولت عبر العقود إلى آلية لإعادة إنتاج الهيمنة المركزية وأسهمت بصورة مباشرة في خلق وتأجيج النزاعات وتقويض الاستقرار .

وذلك الواقع المأزوم أنتج دولة مختلة التوازن تعاني من فجوة عميقة بين المركز والأقاليم مما أدى إلى توسع وتكرار دورات العنف في مناطق عديدة حيث ارتبطت مطالب العدالة والتنمية ارتباطًا وثيقًا بإعادة توزيع السلطة والثروة ومن هنا برزت أهمية النظام اللامركزي ليست كترف سياسي بل كضرورة تاريخية ملحة لإعادة تأسيس وبناء الدولة السودانية على أسس أكثر عدالة وشمولًا .

ولقد جاء الدستور الانتقالي لسنة 2025 ليقرّ اللامركزية كنظام حكم شامل وعادل يقوم على توزيع السلطات بين مستويات الحكم المختلفة ويشمل الجوانب القانونية والسياسية والإدارية والمالية . ويستند هذا التوجه إلى مبادئ أساسية في مقدمتها حكم القانون وتقاسم السلطة والثروة وتعزيز المشاركة الشعبية بما يفتح المجال أمام الأقاليم لإدارة شؤونها وفقًا لخصوصيتها واحتياجاتها وذلك دون الخروج من طبيعة الدولة الديمقراطية العلمانية .

وبموجب هذا الإطار الدستوري يتكون نظام الحكم من ثلاثة مستويات رئيسية:

أ/ المستوى الاتحادي

ب/ المستوى الإقليمي

ج/ مستوى الحكم المحلي

بحيث تُمارس هذه المستويات اختصاصاتها عبر سلطات حصرية وأخرى مشتركة تُنظم بقوانين واضحة تضمن الكفاءة والعدالة في توزيع الموارد .

كما يمنح الدستور الأقاليم مساحة لاختيار هياكلها الإدارية وتسميات وحداتها المحلية في خطوة تعكس الاعتراف بالتنوع الثقافي والاجتماعي في البلاد .

غير أن النصوص الدستورية مهما بلغت دقتها لن تكفي وحدها لضمان نجاح هذا

التحول ولقد أثبتت التجارب العديدة أن اللامركزية قد تتحول إلى مجرد واجهة شكلية إذا لم تُدعّم بضمانات قانونية ومؤسسية تحول دون إعادة تركيز السلطة فعليًا في المركز .

ولذلك فإن نجاح هذا المشروع يتطلب بناء مؤسسات قوية ووضع أطر قانونية واضحة تضمن استقلالية الأقاليم وتحدد بدقة حدود الصلاحيات بين مستويات الحكم .

وفي هذا الإطار تبرز أهمية إنشاء آليات فعالة للرقابة والمساءلة في مقدمتها قضاء دستوري مستقل يتولى الفصل في النزاعات بين مستويات الحكم ويضمن احترام مبدأ سيادة القانون .

كما تبرز الحاجة إلى نظام مالي شفاف وعادل يقوم على معايير موضوعية في توزيع الموارد مثل عدد السكان ومستوى الفقر والحاجة التنموية بما يحقق التوازن بين الأقاليم ويمنع إعادة إنتاج التفاوتات التاريخية .

إن إعلان وزارة مختصة بالحكم اللامركزي وتعيين وزير لها من قبل حكومة السلام (تأسيس) يمثل خطوة مهمة نحو الانتقال من مرحلة التنظير إلى مرحلة التنفيذ لكنه في الوقت ذاته يشكل اختبارًا حقيقيًا في تفكيك بنية الدولة المركزية القديمة .

فالمطلوب ليس فقط إنشاء مؤسسات جديدة بل إعادة تعريف العلاقة بين المركز والأقاليم على أساس الشراكة لا التبعية .

وليس هذا التوجه نظريًا أو معزولًا عن التجارب العالمية إذ أثبتت العديد من الدول نجاح النظم اللامركزية في تحقيق الاستقرار وإدارة التنوع .

ففي ألمانيا يقوم النظام الفيدرالي على توزيع واضح للسلطات بين الحكومة الاتحادية والولايات مما ساهم في تحقيق تنمية متوازنة واستقرار سياسي طويل الأمد .

كما تُعد سويسرا من أبرز النماذج حيث تتمتع الكانتونات بصلاحيات واسعة وهو ما مكّنها من إدارة تنوعها اللغوي والثقافي بكفاءة عالية .

وفي كندا أسهم النظام الفيدرالي في احتواء التعدد اللغوي والثقافي خاصة في إقليم كيبيك عبر منح المقاطعات سلطات حقيقية في إدارة شؤونها .

كذلك تجربة الهند تُظهر كيف يمكن لدولة كتيرة التنوع دينيًا وعرقيًا أن تحافظ على وحدتها من خلال نظام لا مركزي يمنح الولايات صلاحيات واسعة .

إن هذه التجارب تؤكد أن اللامركزية ليست تهديدًا لوحدة الدولة بل تمثل أحد أهم ضمانات استقرارها إذا ما أُحسن تصميمها وتطبيقها .

كما أن اللامركزية تمثل أحد المفاتيح الأساسية لمعالجة الجذور التاريخية للمشكلة السودانية إذ لا يمكن تحقيق سلام مستدام دون تمكين المجتمعات المحلية من المشاركة الفعلية في صنع القرار وإدارة مواردها بصورة عادلة .

فالتهميش الممنهج في السودان لم يكن مجرد خلل إداري بل كان في جوهره أزمة عدالة لا يمكن معالجتها إلا عبر نظام لامركزي ومبادئ فوق دستورية .

إن السودان اليوم يقف أمام لحظة إنصاف في تاريخه السياسي تفرض عليه الاختيار بين إعادة إنتاج الدولة المركزية بأدوات جديدة أو المضي قدمًا نحو بناء دولة عادلة تعترف بتنوعها التاريخي والمعاصر ويدار هذا التنوع عبر نظام ديمقراطي علماني لا مركزي بمؤسسات فاعلة .

وعليه فإن ترسيخ اللامركزية لا ينبغي أن يُختزل في نصوص دستورية أو قرارات سياسية بل يجب أن يتحول إلى مشروع تأسيسي متكامل تدعمه إرادة سياسية حقيقية وأطر قانونية ملزمة ومؤسسات مستقلة قادرة على حمايته وضمان استمراريته .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.