لا تُطوى سجلات الحروب بتبديل الهندام، ولا تُمحى الدماء بالسيارات الفارهة فالمشهد الأخير لـ “الناجي مصطفى” أحد أبواق النظام البائد وهو يخلع بذته العسكرية ليرتدي بدلة كاملة (Full\ Suit) مستقلاً سيارته الفارهة لإدارة استثماراته، ليس مجرد لقطة عابرة، بل هو اللحظة الفارقة التي ولّى فيها الدبر، كاشفاً عن ذروة الانتهازية السياسية والزلزال الأخلاقي الذي يفضح تجار الحروب الذين يبيعون الموت للشباب ويشترون رغد الحياة لأنفسهم.
إن ما قام به الناجي مصطفي اليوم هو امتداد لنهج تاريخي دموي أدمنه التنظيم الإسلاموي الإرهابي فهذا التنظيم هو القاسم المشترك والأداة المحركة خلف كل هذه الحروب الدموية التي مزقت السودان، وبذات الفتاوى الزائفة خدعوا الشباب في السابق وأفنوهم في حرب الجنوب، واليوم يعيدون المحرقة بحق جيل جديد يُساق إلى الفناء باسم “الجهاد”، بينما يرتّب المحرّضون لغنائمهم الخاصة.
لقد انكشف قناع المبدأ عارياً حين لاحت بوادر السلام فبدلاً من الترحيب بحقن الدماء، استبد الغضب بالناجي مصطفى، فوضع سلاحه ونفض يده من الميدان وولّى الدبر مغاضباً، ليثبت أن هذه الحروب التي يقودها نفس الأشخاص ونفس التنظيم لم تكن يوماً لحماية دين أو وطن، بل أداة لفرض أجندة سلطوية، وعندما جنحت الأطراف للسلم، فرّ تاركاً المستنفرين لمصيرهم المجهول، ليتفرغ هو لتأمين مستقبله المالي وسط حسرة الأسر المكلومة التي فقدت أبناءها بسبب خطبه المسمومة.
ومن الناحية القانونية الصرفة، لا تمايز في المسؤولية الجنائية بين من يضغط على الزناد ومن يقود حملات التعبئة فممارسات الناجي مصطفى تقع تحت طائلة المساءلة عبر مسارين قاطعين: أولهما التحريض العلني والمباشر على العنف وتحويل منابر العبادة لمنصات لبث الكراهية وتكفير الخصوم، وهي جريمة مكتملة الأركان كانت فيها خطبه بمثابة أوامر جنائية وشحن معنوي للبطش والتنكيل.
وثانيهما المشاركة المباشرة بحمله السلاح ميدانياً وارتدائه الزي العسكري وتوثيق ذلك مرئياً، مما ينقله قانوناً إلى صفة المشارك المباشر والشريك الأصيل (Co-perpetrator)، ويسقط عنه الحماية المدنية بموجب القانون الدولي الإنساني، ويجعله شريكاً في المسؤولية عن كافة الانتهاكات الميدانية علماً بأن تولية الدبر والغضب من السلام، أو التواري خلف واجهات الاستثمار وتبديل الأزياء، لا يسقط المسؤولية الجنائية، فالجرائم ضد الإنسانية والانتهاكات الجسيمة المرتكبة من قِبل هذا التنظيم ورموزه لا تسقط بالتقادم أبداً.
آخر قولي:
إن التاريخ الذي يحفظ مآسي حرب الجنوب، هو ذاته السجل الأسود الذي يحمل أوزار حرب دارفور، وجبال النوبة، والنيل الأزرق، وهو الشاهد على بشاعة مجزرة فض اعتصام القيادة العامة، وصولاً إلى محرقة حرب 15 أبريل الكارثية وكل هذه المآسي صنعها ونفذها نفس الأشخاص ونفس التنظيم الإسلاموي الإرهابي الذي لم يورث البلاد سوى الموت والخراب. هذا التاريخ لن يرحم الوجوه المتقلبة التي تعشق الدم وتضيق ذرعاً بالسلام، ولن تفلح إشارات الوداع ولا الهروب في إغلاق ملفات الحساب، وستبقى أنات الأمهات المكلومات ودماء الضحايا طوقاً يلاحق كل من خطب وحرّض وسلّح، ولن تشفع للناجي مصطفى وأمثاله أموالهم ولا استثماراتهم يوم تُفتح دفاتر التحقيق وتُنصب موازين القصاص العادل والناجز أمام قضاء الشعب والتاريخ.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.