في كل القضايا الكبرى هناك رجال يظهرون تحت أضواء المنابر وهناك آخرون يعيشون بعيدا عن الكاميرات واللافتات لا تعرف أسماؤهم ولا ترفع صورهم لكن أثرهم يسبق أصوات الجميع هؤلاء هم خيوط الظلام التي لا تُرى أولئك الذين يحملون القضية في صدورهم لا في شعاراتهم .
ويؤمنون بها حين يتراجع الآخرون ويتمسكون بها حين تصبح كلفتها باهظة .
ليس كل من يخدم القضايا العادلة يقف أمام الجماهير فبعضهم يقاتل بقلمه، وبعضهم يحرس الفكرة بصوته الخافت، وبعضهم يقف قابضا على الزناد في خطوط النار دون أن يسأل عن المجد أو الغنائم أو المقاعد هم رجال لا تصنعهم الخطب الرنانة بل تصنعهم المواقف الثقيلة التي يعجز عنها كثيرون .
في زمن أصبحت فيه المواقف تُقاس بالمكاسب بقي هؤلاء أوفياء للقضية وحدها لم يساوموا على دماء الشهداء ولم يحولوا التضحيات إلى تجارة سياسية ولم يجعلوا من معاناة الناس سلما للصعود الشخصي كانوا يدركون أن القضايا العظيمة لا تحمى بالكلمات وحدها بل تحتاج إلى رجال يثبتون عندما تتساقط الأقنعة.
هناك من يكتب دفاعا عن الحقيقة وهو يعلم أن كلماته قد تجلب له العداء والملاحقة لكنه يكتب لأن الصمت خيانة وهناك من يتحدث بصوت خافت لكنه يزرع الوعي في العقول ويمنع اليأس من التمدد في النفوس وهناك من يحمل السلاح لا حبا في الحرب بل إيمانا بأن حماية الناس والكرامة أمانة لا يجوز التخلي عنها. هؤلاء جميعا يشكلون الجبهة الحقيقية لأي قضية عادلة.
إن أخطر ما يواجه القضايا المصيرية ليس قوة الخصوم وحدها بل خيانة المتعبين والانتهازيين والمترددين. لذلك يبقى أصحاب المواقف الصلبة هم العمود الفقري لأي مشروع تغيير. لا يبحثون عن الاعتراف ولا يطلبون التصفيق لأنهم يعلمون أن التاريخ الحقيقي لا يكتبه الضجيج بل تكتبه التضحيات الصامتة .
أبطال القضايا الحقيقيون ليسوا دائمًا أولئك الذين تتصدر أسماؤهم الأخبار بل ربما أولئك الذين لا يعرفهم أحد، لكنهم ظلوا أوفياء حين انحنى الآخرون وثبتوا حين تبدلت الولاءات واستمروا في الطريق رغم الخسائر والجراح هم الذين فهموا أن القضية ليست موسما سياسيا عابرا بل عهدا أخلاقيا وإنسانيا لا يسقط بالتقادم.
وفي السودان وسط هذا الركام الكبير من الحرب والانقسام والخذلان ما تزال هناك أرواح تحمل القضية بإيمان نادر رجال ونساء اختاروا الوقوف مع شعبهم لا مع مصالحهم ومع الحقيقة لا مع القوة ومع دماء الضحايا لا مع حسابات السياسة الضيقة. هؤلاء هم الحراس الحقيقيون لذاكرة الشهداء وهم الذين يمنعون القضية من السقوط في سوق المساومات.
قد لا ترى خيوط الظلام دائما لكنها هي التي تمسك النور حتى لا ينطفئ.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.