الحركة الإسلامية السودانية وإشعال الحرب: نموذج التمدد المسلح وتصدير الأزمة
تقرير : عين الحقيقة
تُعدّ تجربة الحركة الإسلامية السودانية من أكثر التجارب الإخوانية تأثيراً وخطورةً على مستوى القارة الأفريقية، إذ لم تكتفِ بالتمدد الاجتماعي والدعوي، بل انتهجت مساراً مختلفاً تمثّل في الاستيلاء على السلطة عبر انقلاب 1989، ثم تحوّلت لاحقاً إلى طرف مشعل لواحدة من أعنف الحروب الأهلية في المنطقة.
فبعد أن أمسكت الحركة بمقاليد الدولة السودانية لثلاثة عقود، أفضى رغبة الاسلاميين في العودة للسلطة إلى اندلاع الحرب في أبريل 2023.
وقد كشفت هذه الحرب عن المآلات الكارثية لمشروع الإسلام السياسي حين يتحوّل من أداة تنظيم مجتمعي إلى جهاز دولة يتحكم في الجيش والمال والإدارة، ثم ينهار متصارعاً على الغنيمة.
تشهد عدة دول في غرب أفريقيا تنامياً تدريجياً لحضور الشبكات المرتبطة بالفكر الإخواني، ضمن نمط من التمدد الهادئ الذي يعتمد على العمل الدعوي والخيري والتعليمي أكثر من اعتماده على النشاط السياسي المباشر. ويظهر هذا الحضور عبر مؤسسات دينية وجمعيات اجتماعية ومراكز تعليمية وهيئات خيرية تعمل داخل المجتمعات المسلمة، خصوصاً في الدول ذات الأغلبية غير المسلمة أو التي تعاني من هشاشة اقتصادية وخدمية.
ولا يتخذ هذا الوجود شكلاً تنظيمياً معلناً على غرار التجارب الإخوانية التقليدية، بل يتحرك عبر واجهات مجتمعية وخدمية تتيح بناء نفوذ تدريجي داخل البيئات المحلية، مستفيداً من التعليم الديني والعمل الإغاثي وشبكات التمويل والعلاقات العابرة للحدود.
يشكّل النشاط الدعوي والتعليمي أحد أبرز مسارات الحضور المرتبط بالفكر الإخواني في غرب أفريقيا، حيث تعتمد هذه الشبكات على إنشاء المؤسسات الدينية والمراكز التعليمية والمدارس الإسلامية كوسيلة لبناء النفوذ الفكري والاجتماعي.
في توغو، يبرز اتحاد مسلمي توغو (UMT) باعتباره المؤسسة الإسلامية السنّية الأوسع تمثيلاً، إذ يتولى تنظيم الشؤون الدينية والإشراف على المساجد والتعليم القرآني والمدارس الإسلامية. وتظهر داخله تأثيرات مرتبطة بالفكر الإخواني من خلال علاقاته بجمعية الإصلاح الاجتماعي الكويتية ذات التوجه الإخواني. كذلك ينشط المركز الإسلامي للخدمات الاجتماعية والتعليم (CIASET) المؤسّس عام 2016 في لومي، ويركز على التعليم الإسلامي ورعاية الأيتام والخدمات الاجتماعية.
في غانا، يظهر الحضور الدعوي عبر مؤسسة المسجد الوطني التي تركز على نشر الإسلام السنّي، ومجلس الدعوة الإسلامي الأعلى الذي تأسس بدعم من خريجي الجامعات الإسلامية في السعودية، وتقاطعت مساراته لاحقاً مع تأثيرات إخوانية في خطاب العمل الإسلامي المجتمعي.
في زامبيا، تبرز جمعية ماكيني الإسلامية في لوساكا العاملة في التعليم الإسلامي والخدمات الاجتماعية، وجمعية مسجد النور توابيا في مدينة ندولا التي أطلقت عام 2022 مشروع “مركز مسجد السلام” الجامع بين المسجد والمركز التعليمي والدعوي.
تعتمد الشبكات المرتبطة بالفكر الإخواني على النشاط الخيري والاجتماعي مدخلاً لبناء النفوذ داخل المجتمعات المحلية، خصوصاً في البيئات التي تعاني من ضعف الخدمات الحكومية والفقر والهشاشة الاقتصادية. وهو النمط ذاته الذي اعتمدته الحركة الإسلامية السودانية في مراحل نشأتها، قبل أن تتحوّل إلى جهاز سلطة يسيطر على الدولة بأكملها.
في توغو وزامبيا، تجمع بعض المؤسسات الإسلامية المحلية بين تقديم الخدمات الاجتماعية وارتباطها بشبكات تمويل خارجية على غرار ما فعلته الحركة الإسلامية السودانية حين وظّفت شبكاتها الخيرية لاختراق النقابات والجامعات والمؤسسة العسكرية قبل انقلاب 1989.
تكشف تجربة الحركة الإسلامية السودانية عن المسار الذي يمكن أن تنتهي إليه شبكات الإسلام الحركي حين تنجح في السيطرة على مؤسسات الدولة. فمنذ استيلائها على السلطة عبر انقلاب يونيو 1989 بقيادة عمر البشير وإيديولوجيا حسن الترابي، أعادت الحركة هيكلة الدولة السودانية بالكامل؛ فأخضعت الجيش، وهيمنت على الاقتصاد، وفرضت التعليم الديني الحركي، وصدّرت نموذجها نحو دول الجوار الأفريقي.
غير أن هذا المشروع أفرز تناقضاته الداخلية، ما يجعل الحركةَ الإسلاميةَ السودانية المسؤولَ الأول عن إشعال هذه الحرب الكارثية.
وقد خلّف هذا الصراع عشرات الآلاف من القتلى، وأكثر من عشرة ملايين نازح، وجرائم موثّقة بحق المدنيين في الخرطوم ودارفور وكردفان، في مشهد بات يُضرب به المثل على مآلات الإسلام السياسي حين يتحوّل من حركة مجتمعية إلى سلطة دولة.
يتسم الحضور المرتبط بالفكر الإخواني في غرب أفريقيا بالمرونة التنظيمية والاعتماد على شبكات غير معلنة تتحرك عبر الجمعيات الدينية والخيرية والتعليمية. وتظهر الروابط العابرة للحدود كأحد أهم عناصر بناء النفوذ، خصوصاً عبر العلاقات مع مؤسسات إسلامية خارجية وشبكات تمويل ذات صلة بالتيارات الإخوانية في العالم العربي.
وتجدر الإشارة إلى أن السودان في عهد الحركة الإسلامية كان نفسه مركزاً لتصدير هذا النفوذ نحو أفريقيا جنوب الصحراء، عبر تمويل المؤسسات الدينية وإيفاد الدعاة وبناء المدارس الإسلامية في دول الجوار، مما يجعل تتبّع شبكات التمويل والتأثير الإخواني في غرب أفريقيا أمراً لا ينفصل عن فهم الدور السوداني في هذه المنظومة.
يعكس المشهد الراهن في غرب أفريقيا وجهاً من وجوه مشروع الإسلام الحركي في طوره الهادئ، حيث يعتمد التغلغل التدريجي عبر التعليم والخدمات والعمل الديني لبناء نفوذ فكري واجتماعي مستمر. أما الوجه الآخر لهذا المشروع، فقد جسّدته الحركة الإسلامية السودانية التي أوصلت بلدها إلى حرب أهلية مدمّرة، بعد أن نجحت في اختراق الدولة والسيطرة عليها لعقود.
والخطر الحقيقي لا يكمن في المؤسسات الدعوية والخيرية بذاتها، بل في المسار الذي تسلكه هذه المؤسسات حين تتحوّل من أدوات خدمة مجتمعية إلى قنوات لبناء نفوذ سياسي وتنظيمي، على النحو الذي أثبتته التجربة السودانية بكلفتها الإنسانية الباهظة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.