مبادرة سودانية لوقف إطلاق النار.. والحركة الإسلامية عقبة راسخة أمام أي تسوية

تقرير ، عين الحقيقة

في خضم اجتماعات قوى “إعلان المبادئ السوداني لبناء وطن جديد” المنعقدة في العاصمة الكينية نيروبي، طرحت قوى مدنية وسياسية وحركات مسلحة سودانية مبادرةً تدعو إلى وقف مؤقت لإطلاق النار لمدة ثلاثة أشهر قابلة للتمديد، في محاولة لفتح ثغرة دبلوماسية في جدار حرب مستعصية أنهكت البلاد وشردت الملايين.

وقدّم الجنرال عبدالله حرّان، نائب رئيس حركة وجيش تحرير السودان، ورقةً سياسية بعنوان “وقف إطلاق النار المؤقت وترتيبات إنهاء الحرب”، اقترحت إنشاء آليات رقابة ثلاثية المستوى تجمع بين الأطراف المحلية والإقليمية والدولية، على أن تتولى لجنة عسكرية مشتركة مراقبة الانتهاكات والتحقيق فيها ومحاسبة مرتكبيها، فيما تضطلع مفوضية سياسية موازية بالإشراف على تنفيذ الاتفاق وحل ما قد ينشأ من خلافات بين الأطراف المشاركة.

وضمّت الاجتماعات طيفاً واسعاً من القوى، في مقدمتها التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة المعروف بـ”صمود”، بقيادة رئيس الوزراء السوداني الأسبق عبدالله حمدوك، وحركة تحرير السودان بزعامة عبدالواحد محمد نور، في مشهد يعكس رغبة حقيقية لدى قطاع من الفاعلين السودانيين في تجاوز منطق الحسم العسكري نحو أفق تفاوضي.

غير أن هذه المبادرة، على وجاهتها التقنية وتوازن بنودها، تصطدم بعقبة بنيوية راسخة تتمثل في الحركة الإسلامية السودانية وهيمنتها الممتدة على مفاصل القرار العسكري. فمنذ عقود، نسجت الحركة شبكة نفوذ عميقة داخل المؤسسة العسكرية، جعلت قرار الجيش في جانب جوهري منه رهينةً لحساباتها وأجنداتها، لا تعبيراً صافياً عن إرادة المؤسسة وحدها.

وتدرك الحركة الإسلامية أن أي تسوية تفاوضية حقيقية تعني بالضرورة فتح ملفات المحاسبة على جرائم الحرب وسنوات الفساد الممتدة، وإفساح المجال أمام تحول ديمقراطي يُزيحها من دوائر النفوذ إلى غير رجعة. ومن هنا تحوّل استمرار الحرب من كارثة إنسانية تسعى إلى وقفها، إلى استراتيجية بقاء تتمسك بها، إذ يُبقيها النزاع فاعلاً لا غنى عنه، ويُضعف البدائل المدنية، ويُشتت الضغط الدولي عن ملاحقة رموزها.

وفي هذا السياق يجيء الموقف المُعلن لقيادة الجيش برئاسة الفريق أول عبدالفتاح البرهان، التي تواصل التمسك بخيار الحسم العسكري ورفض أي تسوية تفاوضية، ليعكس في جانب كبير منه هذه الإملاءات لا منطق المؤسسة العسكرية وحده. وهكذا يظل المدنيون السودانيون يدفعون الثمن الأفدح لحرب باتت أدواتها في الميدان وعقبتها الحقيقية في غرف النفوذ السياسي واحدة.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.