إعلان نيروبي وأزمة الخيال السياسي السوداني.. هل تحاول القوى المدنية إنتاج مستقبل جديد؟
زهير عثمان حمد
هل تحاول القوى المدنية إنتاج مستقبل جديد… أم إعادة تدوير اللغة القديمة؟
من السهل النظر إلى إعلان نيروبي الأخير للقوى المدنية السودانية بوصفه مجرد اجتماع سياسي جديد ضمن سلسلة طويلة من الاجتماعات والمواثيق والتحالفات التي عرفها السودان خلال العقود الأخيرة
لكن هذا التبسيط يُفوّت سؤالاً أعمق بكثير من الحدث نفسه , و هل بدأت الحرب السودانية تفرض على النخب السياسية إعادة التفكير في شكل الدولة والمجتمع، أم أن الجميع ما زال يتحدث بلغة سودان لم يعد موجوداً؟
في الحقيقة، لا تكمن أهمية إعلان نيروبي في كونه “اختراقاً سياسياً” حاسماً، ولا في عدد الموقعين عليه، بل في كونه مؤشراً على تحولات أعمق داخل المجال السياسي السوداني.
فالحرب، بعنفها الواسع وانهيارها الاجتماعي، دفعت الجميع مدنيين وعسكريين ومسلحين إلى مواجهة سؤال لم يكن مطروحاً بهذه الحدة من قبل – ماذا تبقى من الدولة السودانية القديمة؟ وهل يمكن فعلاً إعادة إنتاجها بعد كل هذا الخراب؟
لقد كشفت الحرب أن السودان لا يعيش فقط أزمة سلطة، بل أزمة خيال سياسي. وهذه ربما أخطر أزمة تواجه البلاد اليوم.
الحرب وتفكك الدولة القديمة
منذ اندلاع الحرب، لم يتعرض السودان فقط لتدمير البنية التحتية والمؤسسات، بل شهد تفككاً عميقاً في فكرة “الدولة” نفسها بوصفها مركزاً للضبط والمعنى والانتماء. ملايين النازحين، انهيار المدن، تصاعد الخطاب الجهوي والعرقي، عسكرة المجتمع، والانفجار الرقمي والإعلامي، كلها عوامل أعادت تشكيل الوعي السوداني بصورة أسرع بكثير من قدرة النخب السياسية على الاستيعاب.
لكن الملاحظة الأكثر إثارة للانتباه هي أن جزءاً كبيراً من الخطاب السياسي السوداني — بما فيه خطاب القوى المدنية — ما زال يتحرك داخل نفس المفردات القديمة – الانتقال الديمقراطي،الشراكة، الوثيقة الدستورية، إعادة بناء المؤسسات، وتقاسم السلطة
هذه اللغة قد تبدو عقلانية من الناحية السياسية، لكنها تكشف في العمق عن أزمة أكبر النخب السياسية اليوم تتحدث أحياناً إلى مجتمع لم يعد موجوداً بنفس صورته القديمة
فالسوداني الذي خرج من الحرب ليس هو سوداني ما قبل 15 أبريل. الحرب لم تغيّر الخرائط العسكرية فقط، بل غيّرت الإنسان نفسه – نفسيًا،
واجتماعيًا، واقتصاديًا، وحتى في علاقته بفكرة الوطن
وهنا يصبح السؤال الحقيقي- هل تمتلك القوى المدنية أدوات فكرية وسياسية لفهم هذا التحول العميق؟
نيروبي- محاولة لعودة السياسة أم إعادة تدويرها؟
يمكن النظر إلى إعلان نيروبي بوصفه محاولة لإعادة إدخال السياسة المدنية إلى مشهد تهيمن عليه البنادق. وهذا في حد ذاته تطور مهم، لأن استمرار الحرب دون أفق سياسي يعني عملياً موت المجال المدني بالكامل وتحول السودان إلى فضاء عسكري مفتوح
لكن المشكلة لا تكمن في مبدأ العودة إلى السياسة، بل في طبيعة هذه العودة نفسها
هل نشهد ولادة رؤية جديدة للدولة السودانية؟ أم مجرد إعادة تجميع لتحالفات قديمة بأسماء جديدة؟
حتى الآن، يبدو أن إعلان نيروبي يتحرك داخل منطقة رمادية.
فهو من جهة يعترف ضمنياً بأن السودان القديم دخل أزمة بنيوية عميقة، لكنه من جهة أخرى لم يقدّم تصوراً فكرياً متماسكاً لطبيعة الدولة الجديدة التي يتحدث عنها.
هناك حديث عن العدالة، والهامش، وإعادة التأسيس، ووقف الحرب، وهي كلها قضايا مهمة. لكن ما يزال الغموض قائماً حول السؤال المركزي.
ما هو النموذج السياسي والاجتماعي الذي تريد هذه القوى بناءه فعلاً؟
لأن إعادة إنتاج نفس الدولة المركزية القديمة، بنفس الثقافة السياسية والنخب والآليات، لن تؤدي إلا إلى تأجيل الانفجار القادم.
أزمة القوى المدنية- بين الخطاب والمجتمع
المعضلة الأكبر التي تواجه القوى المدنية اليوم ليست فقط ضعفها التنظيمي أو تشتتها السياسي، بل أزمة الثقة العميقة بينها وبين قطاعات واسعة من المجتمع السوداني.
فكثير من السودانيين لا ينظرون إلى القوى المدنية بوصفها “بديلاً تاريخياً”، بل باعتبارها جزءاً من أزمة النخب السودانية نفسها-نخبوية في خطابها، متمركزة حول المدن الكبرى، ضعيفة الامتداد الاجتماعي، ومشغولة أحياناً بصراعاتها الداخلية أكثر من انشغالها بالتحولات الحقيقية داخل المجتمع.
الأخطر من ذلك أن جزءاً من الخطاب المدني ما زال يستخدم لغة سياسية تقليدية في لحظة يعيش فيها المجتمع تحولات نفسية واجتماعية عنيفة.
فكيف يمكن الحديث عن “الانتقال الديمقراطي” لمواطن فقد منزله وأسرته ومصدر رزقه؟
وكيف يمكن استعادة الثقة في السياسة بينما يشعر ملايين السودانيين أن كل النخب — مدنية وعسكرية — فشلت في منع الانهيار؟
هنا تظهر الحاجة إلى نقد ذاتي شجاع داخل القوى المدنية نفسها. ليس نقداً تكتيكياً يتعلق بإدارة التحالفات، بل نقداً فكرياً لطبيعة العلاقة بين السياسة والمجتمع في السودان.
السودان وأزمة “الخيال السياسي”
المشكلة الحقيقية في السودان اليوم أن معظم الأطراف السياسية تتصارع على وراثة دولة قديمة، بينما السؤال الأهم ربما يكون-
هل هذه الدولة نفسها قابلة للحياة بعد الحرب؟
هذه هي أزمة الخيال السياسي السوداني.
فبدلاً من التفكير في ,شكل جديد للعقد الاجتماعي، وعلاقة مختلفة بين المركز والهامش، وتعريف جديد للمواطنة، ونموذج تنموي يتجاوز الخرطوم بوصفها مركزاً وحيداً، ما زالت السياسة السودانية تدور غالباً داخل منطق السلطة التقليدي من يحكم؟ وكيف تُقسّم السلطة؟ ومن يسيطر على الدولة؟
بينما السؤال الذي تفرضه الحرب اليوم أعمق من ذلك بكثير- كيف يمكن إعادة تخيل السودان نفسه؟
ليس بوصفه جهاز دولة فقط، بل بوصفه مجتمعاً متعدداً خرج من تجربة عنف وانهيار غير مسبوقة.
ما بعد البيانات
إعلان نيروبي ليس ميلاد جمهورية جديدة بعد، لكنه يكشف أن الجميع بدأ يشعر بأن الحرب وحدها لا تستطيع إنتاج مستقبل مستقر. وهذا بحد ذاته تطور مهم.
لكن القيمة الحقيقية لأي مشروع سياسي سوداني اليوم لن تُقاس بعدد الموقعين عليه، ولا بحجم الدعم الإقليمي أو الدولي الذي يحظى به، بل بقدرته على الإجابة عن الأسئلة التي ولّدتها الحرب نفسها – كيف نفهم الإنسان السوداني الجديد الذي خرج من النزوح والانهيار؟
كيف نبني دولة لا تعيد إنتاج التهميش القديم؟
كيف تتحول السياسة من صراع نخب إلى مشروع اجتماعي حقيقي؟
السودان اليوم لا يحتاج فقط إلى تسوية سياسية، بل إلى إعادة تخيل نفسه بالكامل.
وحتى يحدث ذلك، ستظل كثير من المواثيق والإعلانات السياسية تدور داخل حدود اللغة القديمة، بينما المجتمع يتحرك — بألمه وغضبه وتحولاته — نحو واقع جديد لم تتعلم النخب بعد كيف تراه.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.