​تجارة السرديات وأموال الحرب: متى يسترد الشعب السوداني ثرواته المنهوبة؟

د. لؤي تقلاوي

​يعيش الشعب السوداني اليوم حقبةً من أحلك حقب تاريخه المعاصر؛ حيث أكلت هذه الحرب البربرية العبثية الأخضر واليابس، ومزّقت النسيج الاجتماعي في أتون صراعٍ ضارٍ على السلطة والنفوذ. ولكن، خلف قصف المدافع، تشتعل جبهة أخرى سلاحها “الكلمة المُباعة” والوعيُ المُزيّف، تُستنزف فيها موارد الشعب لا لترياق دواءٍ أو كسرة خبز، بل لشراء الذمم الخربة، و”غسيل سرديات” المقاتلين بغيةَ شرعنة دمارِ الوطن قرباناً لبقاء فئةٍ طفيليةٍ في الحكم.
​إن التشريح الدقيق للواقع السياسي والإعلامي الراهن يميط اللثام عن تحول المنصات الإعلامية إلى “ترسانة بروباغندا” ومنصاتٍ لـ “الهندسة الاجتماعية”، ممولةً بالكامل من خزائن سُرقت من قوت الشعب. وما الصراع المحموم الدائر اليوم بين حظائر الصحفيين ووزارة الإعلام إلا نتاجٌ حتمي لـ “اقتصاد الحرب” والتكالب على غنائم الإسفين الإعلامي.
​ويختزل السجال الفاضح مؤخراً هذا المشهد؛ حينما جرى الحديث علناً عما يُسمى بـ “النائحة المستأجرة”، في إشارةٍ لاستزراع أقلامٍ مأجورة وأصواتٍ تتباكى بدموع التماسيح لشرعنة المحرقة.
هذا التراشق يثير السؤال الجوهري الغائب مَن يدفع فاتورة هذه المنصات ويتحكم بـ “اقتصاد الانتباه”؟
​لنأخذ نموذجاً صارخاً يدور حول إحدى الكاتبات ومحتواها الممجوج؛ إذ تبث برامجها من استوديوهات باذخة مجهزة بأحدث تقنيات البث الرقمي في أرقى أحياء العواصم (كحي المهندسين).
وفي ظل غيابٍ تام للرعاة والعائد الإعلاني، بالتوازي مع قفزات الثراء الفاحش المتبدّي عليها، يصبح التساؤل فرض عين ما المورد المالي الخفي لهذه الأبواق؟ ومِن أي جيبٍ تُسدد الفواتير الباهظة؟
​الحقيقة العارية هي أن هذه المنصات “مستأجرة بالوكالة”؛ حيث يتولى سدنة السلطة وحيتان المؤسسات الاحتكارية الكبرى التي “كاوَشت” على مفاصل الاقتصاد الإنفاق الباذخ عليها. هذه الكارتيلات التي تاجرَت في كل شيء، من القوت إلى صفقات السلاح، وجّهت فوائض أموالها المنهوبة لصناعة “ديكتاتورية رقمية” تشتري بها ذمم “قونات الصحافة” لحقن العقول بأفيون الأكاذيب.
​يا بنات وأبناء شعبنا العظيم الأبي إن الوعي الحاد هو متراسنا الأخير؛ فكل قلمٍ يُزيّن القبح وكل منصة تحاول رتق ثوب هذه الحرب مدفوعة الأجر من دماء أطفالكم. إنهم يسرقون ذهب أرضكم ليعيدوا تصديرها إليكم في هيئة “أكاذيب معلبة” لضمان استمرار الساقية المفرغة من التدمير.
​ورغماً عن زواج المتعة الحرام بين المال المنهوب والأقلام المأجورة، فإن إرادة الشعوب لا تموت. إن هذا السقوط الأخلاقي لن يطول؛ فعروش الطغيان المبنية على جماجم الأبرياء هي “أهون من بيت العنكبوت”، وحبال الزور قصيرة.
​مداد اخير…
لابد لليل أن ينجلي، ولابد للقيد أن ينكسر.. فالظلم مهما ادلهمّ ظلامه فإن ليلته قصيرة وفجر الحق مأتاه لا محالة. سيرسو سوداننا يوماً على ضفاف الحرية والسلام والعدالة، وتذهب الأبواق المأجورة إلى مزبلة التاريخ، ويبقى الوطن شامخاً بأيدي شرفائه المخلصين.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.