تكشف التقارير المتعلقة بأوضاع المحتجزين من أبناء غرب السودان داخل سجن بورتسودان القومي عن نمط ممنهج يتجاوز الإجراءات الجنائية المعتادة، ليكشف عن آلية قمع مألوفة في تاريخ الحركة الإسلامية السودانية منذ استيلائها على السلطة عام 1989؛ آلية تتخذ من الهوية الجغرافية والقبلية ذريعةً أمنية، ومن الأجهزة الموازية أداةً تنفيذية بعيداً عن أي رقابة قضائية حقيقية.
وفق ما رصدته منصة “أخبار الغد”، يناهز عدد المحتجزين المشمولين بهذه المخاوف مئتي شخص، صدرت بحق عدد منهم أحكام بالإعدام أو السجن لمدد مطوّلة، في حين تتضمن قائمة الاتهامات الموجهة إليهم جرائم فضفاضة الصياغة من قبيل “الجرائم ضد الدولة”، وهي تهمة طالما وظّفها النظام الإسلاموي وعاء قانونياً لاحتجاز المعارضين والناشطين ومنتقدي السياسات الرسمية. ومن بين الحالات الموثقة المواطن عمر محمد عمر دارس، الذي اعتُقل فور وصوله إلى مطار بورتسودان في مارس 2024، ليُحكم عليه لاحقاً في مايو 2025 بالسجن عشر سنوات، في مسار قضائي لم تتضح ملابساته الكاملة ولم تُحسم استقلاليته.
غير أن الأخطر من طبيعة التهم هو البنية التي تُدار من خلالها هذه الاعتقالات. فمنذ انقلاب يونيو 1989، طوّرت الحركة الإسلامية نموذجاً أمنياً يقوم على ما بات يُعرف بـ”الخلية الأمنية” أو “العمل الخاص”؛ وهو جهاز موازٍ للأجهزة الرسمية المعلنة، يعمل في منطقة رمادية بين السلطة التنفيذية والتنظيم الحزبي، خارج نطاق الرقابة البرلمانية أو القضائية، ويضطلع بمهام الاعتقال الانتقائي والاستجواب وإدارة الملفات السياسية الحساسة.
وقد مكّن هذا النموذج الحركةَ تاريخياً من الإمساك بزمام الأمن الداخلي حتى في أوقات الانقسام والتشظي التنظيمي، إذ ظلت شبكات “العمل الخاص” تعمل بمعزل عن التحولات السياسية الظاهرة على السطح.
واللافت في الحالة الراهنة أن المزاعم تشير صراحةً إلى تورط كتائب مرتبطة بالحركة الإسلامية في عمليات الاعتقال، وهو ما يعني توظيف التشكيلات شبه العسكرية المنبثقة من الرافد الإيديولوجي الإسلاموي في ضبط الداخل وتصفية الحسابات السياسية، بدلاً من الاقتصار على دورها المُعلن في مواجهة قوات الدعم السريع. وهذا النمط ليس طارئاً؛ فقد اضطلعت تشكيلات مشابهة بأدوار قمعية بارزة في مراحل سابقة، من بيوت الأشباح في تسعينيات القرن الماضي إلى حملات التمشيط الأمني التي طالت قيادات حركة الإصلاح والتجديد وعناصر من المؤتمر الشعبي إبان مرحلة الانشقاق عن الترابي.
أما السمة الأشد خطورة في الموجة الراهنة، فهي الطابع الصريح للاستهداف الجهوي والقبلي. فحين تغدو الخلفية الإقليمية أو الانتماء القبلي وحده كافياً لإدراج الشخص في دائرة الاشتباه الأمني، يكون الجهاز القمعي قد تجاوز منطق ملاحقة الفعل السياسي إلى منطق معاقبة الهوية. ويُعزز هذا التوصيف ما وردت به الشهادات من توجيه اتهامات لمحتجزين بسبب نشاطهم على منصات التواصل الاجتماعي فحسب، إلى جانب مزاعم بانتزاع اعترافات تحت الإكراه خلال فترات الاحتجاز السابقة للمحاكمة، وهو أسلوب يتطابق مع الموروث الإجرائي لأجهزة الاستخبارات منذ حقبة جهاز الأمن والمخابرات الوطني في عهد البشير.
في هذا السياق، تبدو مطالبات المنظمات الحقوقية بفتح تحقيقات مستقلة وضمان حقوق الدفاع والمحاكمة العادلة مشروعةً ومُلحّة، لكنها تصطدم بعقبة بنيوية جوهرية: إذ لا يمكن إصلاح منظومة تنتج انتهاكات ممنهجة من خلال أدواتها الإجرائية ذاتها. فما يجري في بورتسودان ليس خللاً في تطبيق القانون، بل هو تعبير عن منطق سلطة تعتمد الاعتقال أداةً لإدارة التنوع الجغرافي والإثني، وتوظّف الجهاز القضائي غطاءً شرعياً لقرارات سياسية تُصنع خارج أروقته.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.