السودان بعد البشير.. هل فقد الإخوان قدرتهم على التحكم بالمشهد؟

تقرير : عين الحقيقة

تشهد جماعة الإخوان المسلمين في السودان واحدة من أكثر المراحل تعقيداً منذ وصولها إلى السلطة عبر انقلاب عام 1989، في ظل تحولات سياسية وعسكرية متسارعة قلّصت من قدرتها على التحرك بنفس النفوذ الذي تمتعت به لعقود داخل مؤسسات الدولة السودانية.

مراقبون: الوضع الحالي يعكس مرحلة حساسة بالنسبة للحركة الإسلامية، خاصة مع تراجع نفوذها داخل قطاعات من الجهاز الإداري والسياسي..

ويرى مراقبون أن الوضع الحالي يعكس مرحلة حساسة بالنسبة للحركة الإسلامية، خاصة مع تراجع نفوذها داخل قطاعات من الجهاز الإداري والسياسي، إلى جانب تصاعد الضغوط الإقليمية والدولية المرتبطة بملفات الإسلام السياسي، وتزايد المطالب الشعبية بإعادة بناء الدولة بعيداً عن إرث النظام السابق.
من التمكين إلى التراجع
على مدى ثلاثة عقود، نجحت الحركة الإسلامية في بناء شبكات نفوذ واسعة داخل مؤسسات الدولة السودانية، مستفيدة من سياسة “التمكين” التي اتبعها نظام الرئيس المعزول عمر البشير، والتي سمحت بترسيخ حضور كوادر مرتبطة بالتنظيم داخل مؤسسات مدنية وعسكرية واقتصادية. لكن سقوط نظام البشير في أبريل 2019 شكّل نقطة تحول كبيرة، إذ بدأت عملية تفكيك تدريجية لبعض شبكات النفوذ المرتبطة بالحركة الإسلامية، وسط دعوات واسعة لإعادة هيكلة مؤسسات الدولة وإبعادها عن السيطرة الحزبية والأيديولوجية.
ويرى الباحث السياسي الدكتور محمد الفاتح عثمان أن الجماعة “فقدت جزءاً مهماً من قدرتها التقليدية على إدارة المشهد من داخل مؤسسات الدولة”، مضيفاً أن التغيرات التي شهدها السودان بعد الثورة “أضعفت كثيراً من أدوات النفوذ التي اعتمدت عليها الحركة الإسلامية لسنوات طويلة”.

محللون: العقوبات والإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد شخصيات وكيانات مرتبطة بالإسلاميين السودانيين ساهمت في تعقيد وضع الجماعة إقليمياً ودولياً..

العقوبات الأمريكية وتداعيات العزلة
ويشير محللون إلى أن العقوبات والإجراءات التي اتخذتها الولايات المتحدة الأمريكية ضد شخصيات وكيانات مرتبطة بالإسلاميين السودانيين ساهمت في تعقيد وضع الجماعة إقليمياً ودولياً. وبحسب مراقبين، فإن هذه الإجراءات دفعت عدداً من الدول إلى تجنب تقديم أي دعم مباشر أو غير مباشر لتيارات مرتبطة بالحركة الإسلامية، خشية التعرض لضغوط سياسية أو تداعيات دبلوماسية.
ويقول المحلل السياسي عثمان عبد الرحمن إن “البيئة الإقليمية تغيرت بصورة كبيرة خلال السنوات الأخيرة، وأصبحت كثير من الدول أكثر حساسية تجاه أي علاقة بتنظيمات أو تيارات مرتبطة بالإسلام السياسي”. وأضاف أن الجماعة لم تعد تمتلك هامش الحركة الإقليمي الذي كانت تستفيد منه سابقاً، خاصة مع تغير أولويات القوى الإقليمية والدولية تجاه ملفات المنطقة.
الحرب أعادت بعض الحضور.. لكنها لم تُنهِ الأزمة
ورغم أن الحرب الدائرة في السودان منذ أبريل 2023 أتاحت لبعض التيارات الإسلامية العودة إلى الواجهة عبر خطاب التعبئة والدعم العسكري والسياسي للجيش، إلا أن مراقبين يرون أن ذلك لا يعني استعادة النفوذ السابق بصورة كاملة. فبحسب خبراء، لا تزال الجماعة تواجه تحديات تتعلق بضعف القبول الشعبي لدى قطاعات واسعة من السودانيين، خاصة بعد تحميلها مسؤولية جانب كبير من الأزمات السياسية والاقتصادية التي عاشتها البلاد خلال سنوات حكم البشير.
وتقول الباحثة في علم الاجتماع السياسي الدكتورة إشراقة محمد إن “الحرب منحت الإسلاميين فرصة لإعادة التموضع داخل بعض المساحات السياسية والإعلامية، لكنها في الوقت نفسه زادت من حدة الاستقطاب والرفض الشعبي تجاه أي عودة كاملة للنظام القديم”.
ضغوط شعبية لإعادة بناء الدولة
في المقابل، تتصاعد داخل السودان دعوات سياسية ومدنية تطالب بإعادة بناء مؤسسات الدولة على أسس جديدة، تقوم على المهنية والاستقلالية بعيداً عن الهيمنة الحزبية أو الأيديولوجية. وترى هذه القوى أن أي عملية انتقال سياسي حقيقية يجب أن تشمل معالجة ملف النفوذ المرتبط بالنظام السابق، وإعادة هيكلة المؤسسات التي ظلت خاضعة لسيطرة شبكات سياسية وتنظيمية طوال عقود. ويقول ناشطون إن استمرار الحرب وتعثر العملية السياسية لا يجب أن يتحول إلى فرصة لإعادة إنتاج التجارب القديمة التي قادت البلاد إلى الأزمات والانقسامات.

يبقى مستقبل جماعة الإخوان المسلمين مرتبطاً إلى حد كبير بطبيعة التسوية السياسية المقبلة، وبمدى قدرة القوى المدنية والعسكرية على إعادة تشكيل التوازنات داخل الدولة..

تحولات في الخطاب والتنظيم
ومع تضاؤل هامش المناورة، يعتقد مراقبون أن الحركة الإسلامية باتت تميل إلى العمل بصورة أكثر حذراً، عبر تقليل الظهور المباشر والاعتماد على شبكات إعلامية ومجتمعية وتنظيمية أقل وضوحاً. كما يشير متابعون إلى أن الخطاب المرتبط بالإسلاميين أصبح يركز بصورة أكبر على قضايا مثل السيادة الوطنية ورفض التدخل الخارجي، بدلاً من الطرح الأيديولوجي التقليدي الذي ميّز خطاب الحركة خلال العقود الماضية.
مستقبل مفتوح على الاحتمالات
وفي ظل استمرار الحرب وتعقيد المشهد السوداني، يبقى مستقبل جماعة الإخوان المسلمين مرتبطاً إلى حد كبير بطبيعة التسوية السياسية المقبلة، وبمدى قدرة القوى المدنية والعسكرية على إعادة تشكيل التوازنات داخل الدولة. ويرى محللون أن الجماعة تواجه اليوم معادلة صعبة؛ فهي لم تعد تمتلك النفوذ المطلق الذي كانت تتمتع به في السابق، لكنها في الوقت نفسه لا تزال حاضرة عبر شبكات وتنظيمات وخبرات متراكمة داخل المجتمع والدولة.
ومع تزايد الضغوط الشعبية والسياسية والدولية، تبدو الحركة الإسلامية أمام مرحلة إعادة تعريف لدورها ومستقبلها في السودان، في وقت يتطلع فيه كثير من السودانيين إلى بناء مشهد سياسي جديد يتجاوز أزمات الماضي ويؤسس لدولة أكثر استقراراً وتوازناً.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.