في كل صباح، يحمل المعلم السوداني حقيبته المثقلة بالكتب والهموم معاً، ويتجه إلى مدرسة قد تفتقر إلى أبسط مقومات التعليم، لكنه يظل متمسكاً برسالته النبيلة رغم قسوة الظروف. غير أن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بإلحاح: كيف يمكن لمن يصنع الأجيال أن يعجز عن توفير احتياجات أسرته الأساسية؟
لقد أثار إضراب المعلمين في السودان نقاشاً واسعاً بين مؤيد ومعارض، لكن بعيداً عن الجدل، تبقى الحقيقة الأكثر وضوحاً أن مطالب المعلمين بتحسين الأجور ليست ترفاً ولا امتيازاً خاصاً، بل هي حق مشروع تفرضه الأوضاع الاقتصادية الاستثنائية التي تعيشها البلاد. فالتضخم المتسارع وارتفاع أسعار الغذاء والدواء والسكن والمواصلات جعلت رواتب آلاف المعلمين عاجزة عن تغطية الحد الأدنى من متطلبات الحياة الكريمة.
وراء كل معلم مضرب قصة إنسانية قد لا تظهر في البيانات الرسمية أو العناوين العريضة. هناك معلم يقطع مسافات طويلة يومياً لأنه لا يملك أجرة المواصلات بشكل منتظم، ومعلمة تعيل أسرتها بعد أن فقدت مصدر دخل آخر بسبب الحرب، وآخرون اضطروا إلى العمل في مهن إضافية بعد انتهاء الدوام المدرسي حتى يتمكنوا من شراء الطعام أو دفع إيجار المنزل. وفي بلد أنهكته الحرب والنزوح والانهيار الاقتصادي، أصبح المعلم نفسه واحداً من أكثر الفئات تضرراً، رغم أنه يمثل حجر الأساس لأي مشروع وطني لإعادة البناء.
لا أحد ينكر أن توقف الدراسة أو تعطيلها يترك آثاراً سلبية على الطلاب، خاصة في ظل الظروف الاستثنائية التي يعيشها السودان. لكن تحميل المعلمين وحدهم مسؤولية الأزمة يبدو ظلماً مضاعفاً. فالمعلم لم يختر الإضراب بحثاً عن المواجهة أو التصعيد، بل لجأ إليه بعد سنوات من المطالبات والمناشدات التي لم تجد الاستجابة الكافية. وعندما يصبح الراتب غير قادر على تأمين الغذاء والدواء والاحتياجات الأساسية، فإن الحديث عن التضحية والصبر يفقد كثيراً من معناه.
إن عدالة قضية المعلمين لا تنبع فقط من حقهم في أجر عادل، بل من حقيقة أن الاستثمار في المعلم هو استثمار في مستقبل السودان نفسه. فلا يمكن بناء مدارس قوية بمعلمين يعيشون تحت وطأة الفقر والديون والقلق اليومي. كما لا يمكن الحديث عن إصلاح التعليم بينما العاملون في هذا القطاع الحيوي يكافحون من أجل البقاء.
اليوم، يحتاج السودان إلى مقاربة أكثر إنصافاً وواقعية تجاه قضية المعلمين. فبدلاً من النظر إلى الإضراب باعتباره أزمة ينبغي احتواؤها فقط، يجب النظر إليه باعتباره صرخة استغاثة من فئة ظلت لسنوات تؤدي واجبها في ظروف بالغة الصعوبة. والاستجابة لهذه الصرخة ليست منحة أو مكافأة، بل خطوة ضرورية لحماية ما تبقى من النظام التعليمي في البلاد.
في نهاية المطاف، لا يطالب المعلم السوداني بالمستحيل. إنه يطالب بحياة كريمة تليق بمن يعلّم أبناء الوطن، ويزرع فيهم الأمل والمعرفة. وإذا كان المجتمع ينتظر من المعلم أن يصنع المستقبل، فإن أقل ما يمكن تقديمه له هو أن يشعر بأن حاضره ليس معركة يومية من أجل البقاء.
فالأوطان التي تكرم معلميها تبني مستقبلها، أما الأوطان التي تتركهم يواجهون الفقر وحدهم، فإنها تخاطر بأغلى ما تملك: أجيالها القادمة.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.