بينما تتفاقم الأزمة الصحية في البلاد بفعل الحرب المستمرة وتدهور الخدمات الأساسية، تتكشف من داخل المستشفيات والمراكز الصحية صورة قاتمة لأوضاع الكوادر الطبية والعاملين بالمرافق الصحية، في ظل تدني الأجور ونقص المعدات الطبية وتراجع بيئة العمل، الأمر الذي يضع آلاف الأطباء والممرضين والفنيين والعمال أمام تحديات متزايدة في أداء مهامهم اليومية.
ومن خلال المعلومات التي حصلت عليها «عين الحقيقة» من مصادرها وسط الكوادر الطبية والعاملين بالمستشفيات الحكومية ومراكز الرعاية الصحية، برزت شكاوى واسعة من تراجع أوضاع القطاع الصحي، وسط اتهامات بسوء الإدارة وغياب الأولويات الخدمية، في وقت تواجه فيه المؤسسات الصحية ضغوطاً غير مسبوقة.
ويقول عاملون في عدد من المستشفيات إن الأزمة الحالية ليست نتاج الحرب وحدها، بل هي حصيلة سنوات طويلة من الإهمال وضعف التخطيط وتراجع الإنفاق على الخدمات الصحية، ما أدى إلى تدهور البنية التحتية للمستشفيات ونقص الكوادر والمعدات والأدوية.
وفي العديد من المدن، أصبحت المستشفيات تعمل بإمكانات محدودة، بينما يواجه المرضى صعوبات متزايدة في الحصول على العلاج والخدمات الأساسية. وتقول مصادر طبية إن بعض المؤسسات الصحية تعاني من نقص في الأجهزة والمستهلكات الطبية، إلى جانب مشكلات تتعلق بالكهرباء والمياه والإمداد الدوائي. ويؤكد عاملون تحدثوا لـ«عين الحقيقة» أن الكوادر الطبية أصبحت تعمل تحت ضغوط هائلة بسبب تزايد أعداد المرضى من جهة، وضعف الإمكانات المتاحة من جهة أخرى.
وقال أحد أفراد الكوادر الطبية بمستشفى أم درمان التعليمي، الذي فضّل حجب اسمه لـ«عين الحقيقة» لأسباب تتعلق بطبيعة عمله، إن الرواتب الحالية لم تعد تتناسب مع تكاليف المعيشة، وإن كثيراً من العاملين باتوا غير قادرين على تلبية احتياجات أسرهم الأساسية. وأضاف أن عدداً من الأطباء والفنيين والعاملين بالمستشفيات غادروا مواقع عملهم أو اتجهوا إلى فرص أخرى داخل البلاد وخارجها، بحثاً عن أوضاع مهنية ومعيشية أفضل.
وقال: «نحاول تقديم الخدمة في ظروف بالغة الصعوبة، لكن العاملين يشعرون بأنهم تُركوا وحدهم في مواجهة الأزمة، من دون دعم حقيقي أو تقدير يتناسب مع حجم المسؤوليات التي يتحملونها». ومن جانبه، قال أحد العاملين بمستشفى «النو»، ويُشار إليه بالأحرف «ع.م.أ»، إن العمال وموظفي الخدمات يواجهون ظروفاً لا تقل صعوبة عن أوضاع الكوادر الطبية الأخرى.
وأوضح أن كثيراً من العاملين يؤدون مهامهم وسط نقص في المعدات والوسائل المطلوبة، إضافة إلى ضعف الحوافز وغياب الامتيازات التي تساعدهم على الاستمرار في العمل. وأضاف: «المستشفيات لا تقوم على الأطباء وحدهم، فهناك عمال وفنيون ومستخدمون يشكلون جزءاً أساسياً من منظومة العمل الصحي، لكن أوضاعهم لا تحظى بالاهتمام المطلوب». وتثير أوضاع القطاع الصحي تساؤلات متزايدة بين العاملين حول أوجه الإنفاق العام وأولويات الدولة في هذه المرحلة.
ويقول ممرضون وفنيو معامل تحدثوا لـ«عين الحقيقة» إن ما تشهده المستشفيات من نقص في الإمكانات وتدهور في بيئة العمل لا يتناسب مع حجم الاحتياجات الإنسانية المتزايدة، مشيرين إلى أن القطاع الصحي ظل في مؤخرة أولويات الإنفاق خلال السنوات الأخيرة.
ويرى هؤلاء أن استمرار توجيه الموارد نحو المجهود الحربي والأنشطة العسكرية يأتي على حساب قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، وفي مقدمتها الصحة والتعليم والخدمات الأساسية. كما يطالب العاملون بمزيد من الشفافية في إدارة الموارد العامة، وتخصيص ميزانيات كافية لتأهيل المستشفيات وتحسين أوضاع العاملين وتوفير الأدوية والمعدات الضرورية.
ويربط عدد من العاملين بين التدهور الحالي في القطاع الصحي والسياسات التي اتُّبعت خلال العقود الماضية في إدارة مؤسسات الدولة. ويقولون إن سنوات من التمكين السياسي والمحسوبية وإضعاف المؤسسات المهنية أسهمت في إضعاف النظام الصحي وأفقدته كثيراً من كوادره وخبراته، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين. كما يشيرون إلى أن الحرب الحالية عمّقت الأزمة القائمة أصلاً وفاقمت معاناة العاملين والمرضى على حد سواء.
ومع استمرار تراجع الخدمات الصحية وتزايد الضغوط على المستشفيات، تبقى أسئلة عديدة مطروحة: كيف يمكن إنقاذ القطاع الصحي في ظل هذه الظروف؟ وكيف يمكن الحفاظ على الكوادر الطبية ومنع هجرة المزيد من الخبرات؟ وما هي الخطط الفعلية لإعادة بناء المؤسسات الصحية التي تضررت بفعل الحرب وسنوات الإهمال؟
وتكشف الشهادات التي جمعتها «عين الحقيقة» من داخل المستشفيات والمرافق الصحية عن أزمة تتجاوز نقص الأدوية والمعدات، لتلامس قضايا الإدارة وأولويات الإنفاق وأوضاع العاملين.
فبين مريض يبحث عن العلاج، وطبيب يعمل في ظروف استثنائية، وعامل يكافح لتأمين احتياجات أسرته، تبدو الأزمة الصحية جزءاً من أزمة أوسع تعيشها مؤسسات الدولة الخدمية.
وفي ظل استمرار التدهور، يرى كثيرون داخل القطاع أن ما تشهده المستشفيات اليوم يعكس فشل السياسات التي أُديرت بها مؤسسات الدولة خلال العقود الماضية، إلى جانب استمرار تغليب أولويات الحرب على حساب الخدمات الأساسية. ويؤكد العاملون أن أي إصلاح حقيقي يبدأ بإعادة الاعتبار للقطاع الصحي والعاملين فيه، وتوجيه الموارد نحو إنقاذ المؤسسات التي تمثل خط الدفاع الأول عن حياة المواطنين.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.