Internally displaced Sudanese reside in the Hasahisa secondary school on July 10, 2023, transformed to house people fleeing violence in the war-torn country. Conflict-torn Sudan is on the brink of a "full-scale civil war" that could destabilise the entire region, the United Nations warned on July 9, after an air strike on a residential area killed around two dozen civilians. (Photo by AFP)

العطش يتمدد… وعمال المياه يواجهون التدهور بأجور هزيلة

تقرير: عين الحقيقة

بينما تتزايد معاناة المواطنين في أم درمان وعدد من المدن السودانية مع أزمات مياه الشرب، تتكشف من داخل هيئات ومؤسسات المياه صورة أخرى للأزمة، عنوانها الأبرز ضعف الأجور وتراجع بيئة العمل ونقص الإمكانات الفنية، في وقت تتعاظم فيه الضغوط على العاملين الذين تقع على عاتقهم مسؤولية تشغيل المحطات وصيانة الشبكات وضمان وصول المياه إلى المواطنين.
ومن خلال متابعات «عين الحقيقة» وإفادات عدد من العاملين والفنيين والموظفين بمؤسسات المياه، برزت شكاوى متكررة بشأن تراجع أوضاع العاملين، إلى جانب مشكلات تتعلق بضعف التمويل ونقص المعدات وتأخر عمليات الصيانة الدورية، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مستوى الخدمة المقدمة للمواطنين.
ويقول عاملون إن قطاع المياه ظل يواجه تحديات متراكمة منذ سنوات، تفاقمت بصورة أكبر خلال فترة الحرب، مع تراجع الإنفاق على الخدمات الأساسية وازدياد الضغوط الاقتصادية التي أثرت على المؤسسات والعاملين معاً.
وفي عدد من المدن والمناطق، أصبحت أزمة الحصول على المياه واحدة من أبرز التحديات اليومية التي تواجه المواطنين، سواء بسبب الأعطال المتكررة أو ضعف الإمداد أو تهالك الشبكات. وتشير إفادات عاملين إلى أن كثيراً من المحطات تعمل بإمكانات محدودة، بينما تواجه فرق الصيانة صعوبات كبيرة في الاستجابة للأعطال المتزايدة.
ويؤكد فنيون تحدثوا لـ«عين الحقيقة» أن جزءاً كبيراً من البنية التحتية لقطاع المياه أصبح بحاجة إلى تأهيل شامل، في ظل نقص قطع الغيار والمعدات الفنية اللازمة لتشغيل المحطات بكفاءة واستقرار.
وقال أحد العاملين، الذي فضّل حجب اسمه لأسباب تتعلق بطبيعة عمله، إن أوضاع العاملين أصبحت أكثر تعقيداً خلال الفترة الأخيرة بسبب تدني الرواتب مقارنة بارتفاع تكاليف المعيشة.
وأضاف أن كثيراً من العاملين باتوا يواجهون صعوبات في توفير احتياجات أسرهم الأساسية، رغم طبيعة العمل الشاقة التي تتطلب وجوداً دائماً واستجابة سريعة للأعطال والطوارئ.
وقال: «نحن نعمل في قطاع حيوي يرتبط بحياة الناس اليومية، لكن أوضاع العاملين لا تعكس حجم المسؤولية التي يتحملونها. هناك شعور متزايد بالإحباط وسط العاملين بسبب ضعف الأجور وغياب الحوافز».
وأشار إلى أن عدداً من الكفاءات الفنية والخبرات المتخصصة غادروا مواقع العمل خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي أدى إلى فجوات واضحة في بعض التخصصات الفنية. ومن جانبه، قال أحد عمال الصيانة، الذي فضّل عدم الكشف عن هويته لـ«عين الحقيقة»، إن فرق الصيانة تواجه ظروفاً صعبة أثناء أداء مهامها في الأحياء السكنية والمناطق البعيدة.
وأوضح أن العمال يعملون لساعات طويلة في ظروف ميدانية معقدة، وفي كثير من الأحيان يفتقرون إلى المعدات والوسائل المطلوبة لإنجاز أعمالهم بالكفاءة المطلوبة.
وأضاف: «العاملون في قطاع المياه يتحملون مسؤوليات كبيرة للحفاظ على استمرارية الخدمة، لكنهم لا يجدون المقابل الذي يتناسب مع حجم الجهد والمخاطر التي يواجهونها».
وتثير أوضاع قطاع المياه تساؤلات متزايدة بين العاملين حول أولويات الإنفاق العام في البلاد، خاصة في ظل التراجع المستمر للخدمات الأساسية.
ويقول عاملون تحدثوا لـ«عين الحقيقة» إن ما تشهده مؤسسات المياه من نقص في الإمكانات وضعف في التمويل لا يتناسب مع أهمية القطاع بالنسبة للمواطنين، مشيرين إلى أن الخدمات الأساسية أصبحت تواجه تحديات متزايدة في ظل الظروف الراهنة.
ويرى هؤلاء أن استمرار توجيه الموارد نحو المجهود الحربي والأنشطة العسكرية يأتي على حساب قطاعات حيوية تمس حياة المواطنين بصورة مباشرة، وفي مقدمتها المياه والصحة والتعليم والكهرباء.
كما يطالب العاملون بمزيد من الشفافية في إدارة الموارد العامة، وتخصيص ميزانيات كافية لتأهيل محطات المياه والشبكات وتحسين أوضاع العاملين وتوفير المعدات اللازمة لاستمرار الخدمة.
ويربط عدد من العاملين بين التدهور الذي يشهده قطاع المياه والسياسات التي أُديرت بها مؤسسات الدولة خلال العقود الماضية.
ويقولون إن سنوات من التمكين الإداري والمحاصصات وإضعاف المؤسسات المهنية أسهمت في تراجع كفاءة العديد من المرافق الخدمية، بما فيها قطاع المياه، الأمر الذي انعكس بصورة مباشرة على مستوى الخدمات المقدمة للمواطنين.
كما يشيرون إلى أن الحرب الحالية عمّقت الأزمة القائمة أصلاً وفاقمت التحديات التي تواجه العاملين والمؤسسات الخدمية على حد سواء.
ومع استمرار أزمات المياه في عدد من المناطق، تتزايد الأسئلة حول مستقبل هذا القطاع الحيوي وقدرته على الاستجابة للاحتياجات المتنامية للمواطنين في ظل ضعف الإمكانات وتراجع أوضاع العاملين.
وتكشف الشهادات التي جمعتها «عين الحقيقة» من داخل مؤسسات المياه عن أزمة تتجاوز الأعطال الفنية ونقص الإمداد، لتلامس قضايا الإدارة وأولويات الإنفاق وأوضاع العاملين.
فبين مواطن يبحث عن المياه، وعامل يكافح لإصلاح الأعطال، وفني يواجه ضغوط العمل وضعف الأجور، تبدو أزمة المياه جزءاً من أزمة أوسع تعيشها مؤسسات الدولة الخدمية.
وبحسب إفادات حصلت عليها «عين الحقيقة»، فإن سياسات المحاصصة وإضعاف المؤسسات المهنية أسهمت في تآكل البنية التحتية وتراجع كفاءة الخدمات، فيما أخفقت حكومة بورتسودان في منح القطاعات الحيوية، وعلى رأسها المياه، الأولوية التي تستحقها، الأمر الذي انعكس مباشرة على المواطنين والعاملين الذين يواجهون الأزمات بإمكانات محدودة وأجور متدنية.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.