أعاد البيان المشترك الصادر عن الاجتماع الخماسي بين تنسيقية القوى الديمقراطية المدنية «صمود» والكتلة الديمقراطية فتح واحد من أكثر الملفات إثارة للجدل في المشهد السوداني، بعد تأكيده على مشاركة جميع القوى المدنية والسياسية في العملية السياسية المرتقبة، باستثناء الحركة الإسلامية.
ورغم أن العبارة جاءت مقتضبة، فإنها حملت دلالات سياسية عميقة، وعكست اتجاهاً متنامياً داخل قطاعات من القوى المدنية والسياسية يرى أن أي مشروع لإنهاء الحرب وبناء دولة مستقرة لا يمكن أن يتجاهل دور الحركة الإسلامية وإرثها السياسي خلال العقود الماضية.
ويستند أنصار هذا التوجه إلى حصيلة ثلاثة عقود من حكم النظام السابق بين عامي 1989 و2019، وهي فترة ارتبطت، بحسب منتقديه، بتكريس سياسات التمكين، وإضعاف مؤسسات الدولة، وتقييد الحريات العامة، فضلاً عن اتهامات بانتهاكات واسعة لحقوق الإنسان واحتكار السلطة والثروة.
كما يربط هؤلاء بين سياسات النظام السابق وبين النزاعات المسلحة التي شهدتها البلاد في دارفور وجنوب كردفان والنيل الأزرق، معتبرين أن المقاربات السياسية والأمنية التي اتبعتها السلطة آنذاك أسهمت في تعميق الانقسامات الاجتماعية وإطالة أمد الصراعات.
ولا يتوقف الجدل عند إرث الماضي، بل يمتد إلى الحرب الحالية التي اندلعت في أبريل 2023، حيث تتهم قوى سياسية ومدنية عناصر محسوبة على الحركة الإسلامية وشبكات موالية لها بالتأثير على مسار الحرب والسعي لاستعادة النفوذ السياسي والعسكري الذي فقدته بعد سقوط نظام الرئيس المعزول عمر البشير. وفي المقابل، تنفي قيادات إسلامية هذه الاتهامات وتصفها بأنها جزء من حملة سياسية تستهدف إقصاءها من المشهد العام.
وبالنسبة لمؤيدي استبعاد الحركة الإسلامية، فإن القضية تتجاوز الخلاف السياسي التقليدي إلى ما يعتبرونه ضرورة لحماية أي عملية انتقالية مقبلة من إعادة إنتاج الأزمة ذاتها. ويرون أن بناء سلام مستدام يتطلب قطع الطريق أمام عودة مراكز القوة التي ارتبطت، في نظرهم، بإشعال النزاعات وتقويض فرص التحول الديمقراطي.
ويذهب بعض المراقبين إلى أن الحرب الحالية أعادت طرح سؤال المسؤولية السياسية والأخلاقية عن الانهيار الذي تعيشه الدولة السودانية، وهو ما جعل مطلب إبعاد الإسلاميين يحظى بدعم متزايد داخل بعض الأوساط المدنية التي ترى أن العدالة الانتقالية لا تكتمل دون محاسبة القوى التي ساهمت في إنتاج الأزمة.
في المقابل، ترفض قيادات وشخصيات محسوبة على النظام السابق هذا الطرح، وتعتبره شكلاً من أشكال الإقصاء السياسي الذي يتعارض مع مبادئ التعددية والحوار الوطني الشامل. وتؤكد أن أي تسوية سياسية قابلة للاستمرار يجب أن تستوعب مختلف التيارات والقوى السودانية دون استثناء.
غير أن منتقدي هذا الموقف يرون أن الحديث عن الشمول السياسي يفقد كثيراً من وجاهته عندما يصدر عن تنظيم وصل إلى السلطة عبر انقلاب عسكري عام 1989، وأدار البلاد لثلاثة عقود في ظل اتهامات متواصلة بإقصاء الخصوم السياسيين واحتكار مؤسسات الدولة.
وفي ظل هذا الجدل، تبدو مسألة مشاركة الحركة الإسلامية في أي تسوية سياسية مقبلة واحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً. فبين من يعتبر استبعادها شرطاً ضرورياً لمنع تكرار أخطاء الماضي، ومن يرى أن الحل يكمن في التنافس السياسي الحر داخل نظام ديمقراطي، يظل مستقبل العملية السياسية رهيناً بقدرة السودانيين على التوصل إلى صيغة توازن بين العدالة والاستقرار.
ومهما تكن مآلات النقاش، فإن عبارة «عدا الحركة الإسلامية» لم تعد مجرد بند في بيان سياسي، بل تحولت إلى عنوان لصراع أوسع حول شكل الدولة السودانية المقبلة، والقوى التي ستشارك في رسم ملامحها بعد انتهاء الحرب. وفي هذا السياق، يرى مؤيدو الاستبعاد أن إزالة ما يصفونه بـ«الورم الأيديولوجي» الذي هيمن على الدولة لعقود تمثل خطوة أساسية نحو بناء دولة المواطنة وسيادة القانون، بينما يصر معارضوهم على أن مستقبل السودان يجب أن يُحسم عبر صناديق الاقتراع لا عبر قرارات الإقصاء السياسي.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.