بينما يعيش قطاع التعليم في البلاد واحدة من أسوأ أزماته في التاريخ الحديث، برزت أصوات ناقدة للحركة الإسلامية وتياراتها المسلحة، تتهمها بإعطاء الأولوية لمشروعات التعبئة العسكرية والاستنفار على حساب قضايا التعليم والتنمية وبناء الإنسان. وترى هذه الأصوات أن الحرب كشفت بصورة واضحة اختلالاً في ترتيب الأولويات، حيث أصبح الحديث عن السلاح والقتال أكثر حضوراً من الحديث عن المدارس والمعلمين ومستقبل الأجيال.
ويقول تربويون ومراقبون إن السودان لم يكن في حاجة إلى مزيد من البنادق بقدر حاجته إلى إعادة تأهيل المدارس المدمرة، ودعم المعلمين، وإنقاذ ملايين الأطفال الذين انقطعت صلتهم بالتعليم بسبب الحرب. إلا أن الخطاب الذي تروّج له بعض المنابر المرتبطة بالإسلاميين، بحسب هؤلاء، ظل مشغولاً بالحشد والتعبئة والاستنفار أكثر من انشغاله بإعادة بناء النظام التعليمي المنهار.
وتشير تقديرات تربوية إلى أن آلاف المدارس تضررت بصورة مباشرة أو غير مباشرة جراء الصراع الحالي، فيما وجد المعلمون أنفسهم في ظروف اقتصادية ومهنية قاسية، وسط غياب برامج حقيقية لمعالجة أوضاعهم أو توفير بيئة مناسبة لاستمرار العملية التعليمية. وفي المقابل، يرى معلمون أن النشاط الأكثر وضوحاً وتأثيراً خلال سنوات الحرب تمثل في الدعوات المتواصلة إلى التسليح والتعبئة العسكرية.
ويقول أحد المعلمين، طالباً عدم الكشف عن هويته لـ«عين الحقيقة» لأسباب مهنية وأمنية، إن المفارقة المؤلمة تكمن في أن المعلم الذي ظل لعقود يمثل حجر الزاوية في بناء المجتمع أصبح خارج دائرة الاهتمام. وأضاف: «لا نرى حملات جادة لدعم التعليم بقدر ما نرى حملات تتحدث عن الاستنفار والتسليح. المعلم اليوم يحتاج إلى تدريب وتأهيل وراتب كريم وبيئة عمل مستقرة، لكن هذه القضايا تبدو هامشية أمام ضجيج الحرب».
كما يذهب منتقدو الحركة الإسلامية إلى أن الأزمة لا تتعلق بالحرب الراهنة فقط، بل ترتبط بنهج سياسي طويل أسهم، بحسب رأيهم، في تسييس مؤسسات الدولة وإضعاف القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها التعليم.
ويقول هؤلاء إن سنوات طويلة من الصراع السياسي والأمني انعكست سلباً على المدارس والجامعات ومراكز البحث العلمي، بينما جرى توجيه الاهتمام نحو قضايا السلطة والصراع والنفوذ.
ويرى مراقبون أن أخطر ما تفرزه الحروب ليس الدمار المادي فحسب، بل التحول الثقافي الذي يجعل العنف جزءاً من الحياة اليومية. فحين يكبر الأطفال في بيئة يُحتفى فيها بالسلاح أكثر من الكتاب، ويُرفع فيها شأن المقاتل أكثر من المعلم، فإن المجتمع يصبح مهدداً بفقدان التوازن بين قيم البناء وقيم الهدم.
ويؤكد خبراء في الشأن التربوي أن الدول التي نجحت في تجاوز الحروب والنزاعات لم تفعل ذلك عبر توسيع دائرة العسكرة، وإنما عبر الاستثمار المكثف في التعليم. فالتجارب الدولية تثبت أن المدرسة هي المؤسسة الأكثر قدرة على إعادة بناء الثقة، وترميم النسيج الاجتماعي، وصناعة مستقبل مختلف للأجيال الجديدة.
ويقول التربويون إن الخطاب المرتبط بالتعبئة العسكرية يستهلك طاقات المجتمع ويصرف الانتباه عن القضايا الجوهرية المتعلقة بالتنمية والإنتاج والتعليم والصحة. ويضيفون أن أي مشروع سياسي يضع السلاح في مركز اهتمامه لفترة طويلة يخاطر بإنتاج مجتمع يعيش في حالة استنفار دائم، الأمر الذي ينعكس سلباً على الاستقرار والاقتصاد وفرص السلام.
كما يلفت هؤلاء إلى أن المعركة الحقيقية التي يواجهها السودان اليوم ليست مجرد معركة عسكرية لهزيمة طرف على آخر، بل معركة من أجل استعادة الدولة ووظائفها الأساسية. وفي مقدمة هذه الوظائف يأتي التعليم باعتباره الضامن الأهم لبناء المواطنة، وتعزيز قيم التعايش، وإعداد أجيال قادرة على قيادة البلاد نحو المستقبل.
ويعتقد محللون أن البلاد تحتاج في هذه المرحلة إلى مشروع وطني يعيد الاعتبار للمعلم والمدرسة والجامعة، ويضع المعرفة في قلب عملية إعادة البناء. فالدول لا تُقاس بعدد البنادق التي تحملها مجتمعاتها، بل بقدرتها على إنتاج المعرفة، وتطوير الإنسان، وصناعة الفرص لأبنائها.
ويخلص محللون إلى أن استمرار هيمنة خطاب العسكرة على المجال العام لن يؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وتعميق آثارها الاجتماعية والاقتصادية. ويشددون على أن مستقبل السودان لن يُصنع في ساحات الاستنفار، وإنما في الفصول الدراسية ومراكز التدريب والجامعات ومؤسسات البحث العلمي.
وفي ظل المشهد الراهن، يبقى السؤال الذي يطرحه كثير من المعلمين والتربويين: متى يصبح دعم المدرسة أولوية تعادل دعم البندقية؟ ومتى يعود المعلم إلى موقعه الطبيعي باعتباره صانع المستقبل، بدلاً من أن تظل قضايا التعليم في ذيل قائمة الاهتمامات الوطنية؟ فالأمم التي تضع الكتاب في يد الطفل تبني مستقبلها، أما الأمم التي تنشغل بالحرب أكثر من انشغالها بالتعليم، فإنها تخاطر بإضاعة أجيال كاملة كان يمكن أن تكون وقوداً للتنمية لا وقوداً للصراعات.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.