بين الندرة والغش.. الدواء يتحول إلى خطر يهدد حياة السودانيين

تقرير ـ عين الحقيقة

يواجه السودانيون واحدة من أعقد الكوارث الإنسانية والصحية في تاريخ البلاد الحديث. فبينما تواصل الحرب حصد الأرواح وتدمير البنية التحتية، برزت أزمة الدواء بوصفها قاتلاً صامتاً يهدد حياة الآلاف من المرضى، لا سيما المصابين بالأمراض المزمنة.
وفي ظل الانهيار شبه الكامل للمنظومة الصحية، تحولت الأسواق والصيدليات القليلة المتبقية في مناطق سيطرة الجيش إلى منفذ رئيسي لتداول أدوية مجهولة المصدر ومغشوشة، وسط اتهامات متزايدة لحكومة الأمر الواقع في بورتسودان بالعجز عن احتواء الأزمة أو فرض رقابة فعالة على سوق الدواء.
وتشير تقديرات ميدانية إلى توقف نحو 90% من الصيدليات العامة عن العمل، بالتزامن مع انهيار قطاع الصناعات الدوائية المحلية الذي كان، قبل اندلاع الحرب، يغطي جزءاً مهماً من احتياجات البلاد من الأدوية الأساسية، بما في ذلك علاجات ضغط الدم والسكري وأدوية الأطفال.
ولم يكن هذا الانهيار وليد الصدفة، بل جاء نتيجة مباشرة لتدمير البنية التحتية الدوائية والمخازن الرئيسية التابعة للمؤسسات الحكومية، ما أدى إلى اتساع فجوة الندرة في الأدوية المنقذة للحياة.
وفي الوقت الذي تراجعت فيه قدرة الدولة على تمويل القطاع الصحي والرقابة على الأسواق، تقلصت فرص الحصول على الأدوية الأساسية إلى مستويات غير مسبوقة، الأمر الذي دفع المرضى وذويهم إلى البحث عن بدائل غير مضمونة المصدر في السوق الموازية.
«أدوية بوكو».. تجارة الموت في زمن الحرب
في ظل هذا الفراغ الرقابي، ازدهرت شبكات تهريب الأدوية عبر الحدود، مستفيدة من ضعف الرقابة وتدهور الأوضاع الأمنية، لتغرق الأسواق بما يُعرف محلياً بـ«أدوية بوكو»، وهي أدوية مجهولة المصدر لا تخضع لأي معايير رقابية أو فحوصات جودة معتمدة.
وتكمن خطورة هذه الظاهرة في امتدادها إلى أدوية وعلاجات حيوية، من بينها أدوية الملاريا الوريدية والإنسولين، وهي منتجات تتطلب شروطاً دقيقة للنقل والتخزين والتبريد.
ويحذر صيادلة وخبراء طبيون من أن أي خلل في سلسلة التبريد أو ظروف الحفظ قد يفقد هذه الأدوية فعاليتها العلاجية، أو يحولها إلى مصدر لمضاعفات صحية خطيرة قد تصل إلى التهابات حادة ومضاعفات تهدد حياة المرضى.
حكومة بورتسودان بين العجز وغياب المعالجات
وتتصاعد الانتقادات الموجهة إلى حكومة الأمر الواقع في بورتسودان، في ظل ما يصفه مراقبون بغياب السياسات الفعالة لمعالجة أزمة الدواء أو الحد من انتشار المنتجات الدوائية غير المطابقة للمواصفات.
ويرى منتقدون أن السلطات تركت المواطنين يواجهون الأزمة بمفردهم، في وقت تنشط فيه شبكات التهريب والسوق السوداء، مستفيدة من حالة الفوضى التي أفرزتها الحرب.
ورغم التصريحات الرسمية التي تتحدث عن توفير نسبة كبيرة من بعض الأدوية المتخصصة، بما في ذلك أدوية السرطان وأمراض الكلى، فإن شكاوى المرضى وأسرهم تتواصل بشأن صعوبة الحصول على العلاج وارتفاع تكلفته وتراجع الإمدادات في عدد من الولايات.
كما يشير مختصون إلى أن غياب قنوات استيراد مستقرة وآمنة، إلى جانب ضعف الرقابة على المنافذ والأسواق، أسهم في تفاقم الأزمة، وجعل المرضى، لا سيما المصابين بالأمراض المزمنة، أكثر الفئات عرضة للمخاطر الصحية.
أزمة تتجاوز الحرب
ومع استمرار الصراع وتعطل مؤسسات الدولة، تبدو أزمة الدواء في السودان واحدة من أكثر التداعيات الإنسانية إلحاحاً. فالملايين باتوا يواجهون معركة يومية للحصول على العلاج، بينما تتسع دائرة المخاوف من انتشار الأدوية المغشوشة ومجهولة المصدر.
وفي ظل غياب حلول عاجلة وفعالة، يبقى المرضى عالقين بين ندرة الدواء وارتفاع أسعاره ومخاطر البدائل غير الآمنة، في مشهد يعكس عمق الأزمة الإنسانية التي يعيشها السودان منذ اندلاع الحرب.

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.