أصبح قطاع التعليم في السودان أحد أبرز ضحايا الحرب المستمرة منذ أبريل 2023، بعدما تحولت الشهادة السودانية، التي ظلت لعقود رمزاً لوحدة النظام التعليمي الوطني، إلى إحدى ساحات الصراع غير المباشر بين الأطراف المتحاربة.
ونتيجة لذلك، حُرم عشرات الآلاف من الطلاب والطالبات في مناطق سيطرة حكومة السلام الانتقالية من الجلوس لامتحانات الشهادة السودانية لثلاثة أعوام متتالية، الأمر الذي أدى إلى تعطيل مسيرتهم الأكاديمية وتهديد مستقبل جيل كامل من الشباب.
التعليم بين الحرب والاستقطاب السياسي
منذ اندلاع الحرب، واجه قطاع التعليم انهياراً واسعاً تمثل في إغلاق المدارس، ونزوح ملايين الأسر، وتدمير البنية التحتية التعليمية في العديد من المناطق. غير أن الأزمة تجاوزت آثار الحرب المباشرة لتأخذ أبعاداً سياسية أكثر تعقيداً، تمثلت في عدم تمكين آلاف الطلاب في المناطق الخارجة عن سيطرة الجيش من أداء الامتحانات الوطنية، رغم استيفائهم المتطلبات الأكاديمية اللازمة.
وأدى هذا الواقع إلى خلق حالة غير مسبوقة من التفاوت التعليمي بين الطلاب السودانيين؛ فبينما تمكن بعضهم من مواصلة دراستهم والجلوس للامتحانات، وجد آخرون أنفسهم خارج المنظومة التعليمية بسبب اعتبارات سياسية وجغرافية لا علاقة لها بمستواهم العلمي أو بحقهم في التعليم.
ويرى مراقبون أن حرمان الطلاب من الامتحانات الوطنية يمثل أحد أخطر أشكال تسييس التعليم، إذ يحول حقاً أساسياً من حقوق الإنسان إلى أداة ضمن الصراع السياسي، ويترك آثاراً طويلة الأمد على الاستقرار الاجتماعي والتنمية البشرية في البلاد.
حكومة السلام ومحاولة معالجة إرث الحرمان
في مواجهة هذه الأزمة، شرعت حكومة السلام الانتقالية في تنفيذ خطة لمعالجة أوضاع الطلاب الذين حُرموا من الامتحانات خلال السنوات الماضية، عبر تنظيم امتحانات الشهادة السودانية في مناطق سيطرتها، والتي انطلقت رسمياً في السابع من يونيو 2026، وتتواصل حالياً وفق الجداول المعلنة.
وتُعد هذه الخطوة أول محاولة عملية لإنهاء سنوات الانتظار التي عاشها آلاف الطلاب والطالبات، وإعادتهم إلى المسار التعليمي الطبيعي بعد فترة طويلة من التعطيل القسري.
وتؤكد الحكومة أن تنظيم الامتحانات لا يمثل مجرد إجراء أكاديمي، بل يندرج ضمن رؤية أوسع لحماية الحق في التعليم ومنع ضياع مستقبل جيل كامل بسبب تداعيات الحرب.
كما أعلنت عن ترتيبات متقدمة لاستيعاب الناجحين في مؤسسات التعليم العالي، والعمل على تهيئة الجامعات لاستقبالهم، إلى جانب البحث عن فرص تعليمية خارج السودان للطلاب الذين تضررت مسيرتهم التعليمية بصورة كبيرة خلال سنوات النزاع.
ويعكس هذا التوجه إدراكاً متزايداً لأهمية الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى مرحلة بناء المسارات التعليمية والمهنية للطلاب المتأثرين بالحرب.
وزير للتعليم العالي.. خطوة نحو استكمال المسار
في هذا السياق، يكتسب القرار الذي أصدره رئيس الوزراء محمد حسن التعايشي بتعيين وزير للتعليم العالي والبحث العلمي أهمية تتجاوز البعد الإداري المباشر.
فالتوقيت الذي صدر فيه القرار، بالتزامن مع انطلاق امتحانات الشهادة السودانية، يحمل دلالات سياسية وتنموية واضحة، أبرزها أن الحكومة تنظر إلى ملف التعليم باعتباره أولوية استراتيجية ضمن مشروعها لإعادة بناء مؤسسات الدولة.
كما يشير القرار إلى الانتقال من مرحلة التركيز على التعليم العام والامتحانات إلى مرحلة التخطيط لمستقبل الطلاب بعد المرحلة الثانوية، من خلال تطوير سياسات التعليم العالي، وتأهيل الجامعات، وفتح آفاق جديدة أمام الشباب لمواصلة تعليمهم داخل السودان وخارجه.
ويرى محللون أن استكمال المؤسسات التعليمية وتعيين قيادة متخصصة لقطاع التعليم العالي يمثل رسالة طمأنة للطلاب وأسرهم بأن الجهود الحكومية لا تتوقف عند تنظيم الامتحانات، بل تمتد إلى ضمان استمرارية المسار الأكاديمي وتوفير فرص حقيقية للتعليم الجامعي.
دعم أممي وتحذير من الانقسام التعليمي
وفي تطور لافت، حظيت الجهود المتعلقة بامتحانات الشهادة السودانية بدعم واضح من منظمة الأمم المتحدة للطفولة «يونيسف»، التي شددت على ضرورة تمكين جميع الطلاب السودانيين من أداء الامتحانات الوطنية الموحدة بغض النظر عن أماكن وجودهم.
وقالت المديرة الإقليمية لليونيسف لشرق وجنوب أفريقيا، إتليفا كاديلي، إن الامتحان الوطني الموحد يمثل فرصة طال انتظارها لمئات الآلاف من الطلاب الذين تعطلت مسيرتهم التعليمية بسبب النزاع المسلح، مؤكدة أن هذه الخطوة تسهم في تحقيق الإنصاف وحماية قيمة المؤهلات العلمية ومنع الانقسامات التعليمية التي قد تحد من فرص الشباب مستقبلاً.
وأكدت أن المؤهلات المعترف بها وطنياً تمثل ركيزة أساسية لاستمرار التعليم والحصول على فرص العمل والمساهمة في تعافي السودان، محذرة من أن تعدد أنظمة الشهادات أو تشتتها قد يخلق عقبات تستمر حتى بعد انتهاء الحرب.
كما دعت المنظمة جميع أطراف النزاع إلى التوافق على ترتيبات عملية تضمن إجراء الامتحانات بصورة متسقة وآمنة في مختلف أنحاء السودان، بما في ذلك مناطق اللجوء في الدول المجاورة، معربةً عن استعدادها لتقديم الدعم الفني واللوجستي اللازم لإنجاح هذه الجهود.
وشددت اليونيسف على ضرورة إبقاء التعليم مجالاً محايداً بعيداً عن الانقسامات السياسية والعسكرية، وأن تكون المصلحة الفضلى للأطفال والشباب هي الأساس في أي ترتيبات تتعلق بمستقبلهم الأكاديمي.
معركة المستقبل
تكشف أزمة الشهادة السودانية خلال سنوات الحرب حجم الخسائر التي يمكن أن تلحقها النزاعات المسلحة بقطاع التعليم عندما يصبح رهينة للاستقطاب السياسي. فبينما دمرت الحرب المدارس والبنية التحتية، أدى تسييس العملية التعليمية إلى تعطيل أحلام آلاف الطلاب الذين وجدوا أنفسهم خارج قاعات الامتحانات لأسباب لا تتعلق بقدراتهم أو اجتهادهم.
واليوم تمثل الامتحانات الجارية في مناطق سيطرة حكومة السلام فرصة لإعادة هؤلاء الطلاب إلى المسار التعليمي، لكنها تطرح في الوقت نفسه تحدياً أكبر يتمثل في ضمان الاعتراف بالمؤهلات التعليمية، وتوحيد المعايير الأكاديمية، ومنع تحول التعليم إلى ساحة دائمة للصراع السياسي.
فنجاح هذه التجربة لن يقاس فقط بعدد الطلاب الجالسين للامتحانات، وإنما بقدرة السودان على حماية الحق في التعليم باعتباره حقاً وطنياً جامعاً لا ينبغي أن تحدده خرائط السيطرة العسكرية أو الخلافات السياسية، بل مستقبل الأجيال التي ستتولى إعادة بناء البلاد بعد انتهاء الحرب.
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.