الإسلاميون وحرب أبريل رهان السلطة على جمر المعارك

تقرير : عين الحقيقة

في العام الرابع على اندلاع حرب الخامس عشر من أبريل، وفيما يغرق السودان في دوامة من الدم والنزوح والدمار، خرج الفريق ياسر العطا خطاب سابق بمناسبة عيد الأضحى المبارك، ليُعلن أن النصر “أقرب من حبل الوريد”، في رسالة لا تخطئها العين، موجَّهة بالدرجة الأولى إلى جمهور بعينه: الإسلاميون الذين راهنوا على هذه الحرب طريقاً للعودة إلى قصر السلطة الذي أُقفل في وجوههم عام 2019.
منذ اللحظات الأولى لاندلاع المعارك في الخرطوم، أبريل 2023، رصد المراقبون حضوراً لافتاً للتيار الإسلامي في مفاصل القرار العسكري والأمني والمدني ، وسرعان ما بدا جلياً أن تنظيم الإخوان المسلمين في السودان لم يكن مجرد مُتفرِّج على ما يجري، بل شريكاً فاعلاً في صياغة مسار الحرب وتوجيه بوصلتها.
فالحرب التي اندلعت رسمياً بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع، كشفت في باطنها عن رهان إسلامي مُحكَم: استعادة النفوذ المفقود عبر بوابة الفوضى، وإعادة تموضع التنظيم داخل مؤسسات الدولة تحت غطاء “الجهاد الوطني” ومواجهة “المشروع الخارجي”.

لا يمكن فهم المشهد دون استحضار شخصية الفريق ياسر العطا، الرجل الذي يُجسِّد جناح الصقور داخل المؤسسة العسكرية السودانية ، فهو الذي أطلق عام 2023 وعده الشهير بأن الحرب لن تتجاوز “أسبوعاً أو أسبوعين”، وهو ذاته من أصدر قرار تفريغ العاصمة من ساكنيها، ليتمكن سلاح الجو من “تطهيرها” من قوات الدعم السريع. غير أن هذه السياسة أفضت إلى كارثة مركّبة: تدمير البنية التحتية للخرطوم، وتهجير الملايين، وموجات نهب طالت المؤسسات العامة والممتلكات الخاصة على حدٍّ سواء.

أما على الصعيد الإقليمي، فإن العطا بات مألوفاً في مقاطع مصورة يتحدث فيها عن “مواجهة مصيرية” مع دول مجاورة وبعيدة، في خطاب يُغذّي منطق الحرب المفتوحة ويُضيِّق هامش أي تسوية سياسية.
وفي خطابه بمناسبة عيد الأضحى، جاءت عبارة “النصر أقرب من حبل الوريد” لتنسف التأويلات التي انتشرت إثر تصريحات الفريق عبد الفتاح البرهان بشأن احتمال هدنة أو مفاوضات سلام، ولتُثبت أن ثمة أصواتاً داخل المنظومة العسكرية تعتبر أي حديث عن السلام تهديداً وجودياً لا تهاوناً تكتيكياً.
يكشف المشهد بجلاء أن الإسلاميين السودانيين باتوا يمتلكون حافزاً وجودياً لرفض أي تسوية ، فالحرب وفّرت لهم ما عجزوا عن انتزاعه عبر المسار السياسي بعد سقوط نظام البشير: السيطرة على مفاصل الأجهزة الأمنية، والتغلغل في المؤسسات المدنية، وتقديم أنفسهم قوةً لا غنى عنها في مواجهة “العدو الوجودي”.
في المقابل، يعني السلام بالنسبة إليهم سيناريو مُرعباً: انكشاف الدور الذي أدّوه، والخضوع للمساءلة القانونية، وإعادة هيكلة المشهد السياسي بما يُقصيهم مجدداً عن دوائر النفوذ. ولهذا، لا تمثّل مفاوضات السلام في حساباتهم خياراً مُكلِفاً، بل تهديداً صريحاً لمشروعهم بأسره.
وتتجلى هذه المعادلة في دعم التشكيلات المسلحة ذات الطابع الأيديولوجي التي تقاتل في صفوف الجيش، والتي رصد مراقبون دوليون وحقوقيون ممارستها سياسات تهجير على أساس عرقي، فضلاً عن ارتكاب انتهاكات موثّقة تصل إلى مستوى جرائم الحرب.
يطرح المراقبون تساؤلات جدية حول قدرة الجيش السوداني على تحقيق حسم عسكري حقيقي في ظل معطيات موضوعية بالغة التعقيد ، فالصراع لم يعد مجرد مواجهة بين مؤسستين عسكريتين، بل تحوّل إلى انكسار مجتمعي عميق، مع حالة فرز واضحة بين الطرفين على أسس قبلية وجغرافية.
كما أن الجيش بات يعتمد في عملياته على تحالفات قبلية مُتذبذبة، وعلى قوات أيديولوجية تحمل أجندات تتجاوز مفهوم الدفاع الوطني.

في هذا السياق، لا تعدو تصريحات العطا عن النصر الوشيك كونها طُعماً للتعبئة الداخلية، ورسالة طمأنة للحاضنة الإسلامية مفادها: “المشروع لا يزال قائماً، والحاجة إليكم باقية”.

بعد أربع سنوات من الحرب، وملايين النازحين، ومدن مُدمَّرة، وجرائح اجتماعية قد تستغرق عقوداً في التئامها، يبدو أن ثمة أطرافاً لا تجد في السلام سوى خسارة ، فبينما يدفع المدنيون الثمن الأفدح، يواصل الإسلاميون توظيف الحرب رافعةً لإعادة بناء نفوذهم، ويواصل الصقور في المؤسسة العسكرية إطلاق وعود النصر التي تتجدد دون أن تتحقق.
والمفارقة المأساوية أن السودان يحترق، فيما يتشبث من يملكون القرار بجمر المعارك، لأن السلام ـ في منطقهم ـ أشد وطأةً عليهم من الحرب .

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.