تهاوي الجنيه السوداني: “رصاصة اقتصادية” تُعمّق جراح اللاجئين في دول الجوار
تقرير ـ عين الحقيقة
لم تعد الحرب في السودان تقتصر على أزيز الطائرات ودوي المدافع داخل الحدود، بل تحولت إلى رصاصة اقتصادية عابرة للحدود تشق طريقها لتصيب ملايين اللاجئين السودانيين في مقتل. ومع الهبوط القياسي والدراماتيكي المتواصل للجنيه السوداني أمام العملات الأجنبية، دخلت مأساة الفارين من جحيم القتال مرحلة جديدة من المعاناة، تمثلت في التآكل الكامل لقدرتهم الشرائية واعتمادهم الشبه كلي على تحويلات مالية باتت بلا قيمة فعلية.
و سجلت الأسواق الموازية للعملات انهياراً متسارعاً للعملة الوطنية، حيث فقد الجنيه نحو 20% من قيمته في أقل من أسبوع واحد.
وجرى تداول الدولار الأمريكي الواحد بحلول إغلاق تعاملات يوم الأربعاء الماضي عند حاجز 4700 جنيه، مقارنة بنحو 3900 جنيه في الأسبوع الماضي، مما يعكس حالة الهلع المستشرية في القطاع المصرفي الموازي.
و منذ اندلاع النزاع المسلح، فقدت العملة الوطنية أكثر من 800% من قيمتها، حيث كان سعر صرف الدولار لا يتجاوز 560 جنيهاً عشية اندلاع الحرب. هذا الانهيار ترافق مع انكماش مروع للاقتصاد السوداني الذي تآكلت بنيته بنسبة تجاوزت 60%.
وفي محاولة لتدارك الكارثة، تشهد الأسواق السودانية عمليات تسييل واسعة النطاق للأصول، ومحاولات مستميتة من المواطنين للتخلص من مدخراتهم بالعملة المحلية، وسط غياب تام للثقة في المستقبل الاقتصادي للبلاد.
و تنعكس هذه الأرقام الجافة مباشرة ككوابيس معيشية على ملايين اللاجئين السودانيين في دول الجوار، لاسيما في مصر وتشاد، هؤلاء الذين فروا بحثاً عن الأمان، باتوا يواجهون جبهة حرب أخرى عنوانها “تأمين لقمة العيش”.
ويمكن تلخيص أبعاد الأزمة الحالية في تراجع القوة الشرائية بمقدار 8 أضعاف: تراجعت القيمة الفعلية للتحويلات الصادرة من مدخرات اللاجئين داخل السودان بمقدار 8 مرات خلال العامين الماضيين، مما يعني أن المبالغ التي كانت تكفي لإعالة أسرة لشهور، لم تعد تغطي إيجار سكن لعدة أيام.
فجوة المساعدات الدولية: يتزامن انهيار الجنيه مع شح حاد في التمويل الإنساني الدولي؛ حيث قلصت المنظمات الأممية من حجم مساعداتها وضيقّت نطاق توزيعها.
تراجع الدعم المحلي والمغترب: توقفت أو تراجعت المساعدات التي كانت تقدمها منظمات المجتمع المدني المحلية، والتي كانت تعتمد موسمياً على تبرعات السودانيين في دول الاغتراب وأوروبا، نظراً للضغوط الاقتصادية العالمية.
و أمام هذا الانسداد الكامل في الأفق الاقتصادي، وغلاء المعيشة المتصاعد في الأسواق المضيفة، وجدت آلاف الأسر السودانية نفسها عاجزة عن توفير أبسط مقومات الحياة من غذاء، كساء، وطبابة.
هذا الوضع المأساوي دفع ببعض اللاجئين إلى اتخاذ قرارات يوصفها مراقبون بالانتحارية، وتمثلت في تفضيل خيار العودة العكسية إلى المدن والقرى المشتعلة داخل السودان، هروباً من جحيم الحاجة والفقر في بلاد اللجوء، ليواجهوا هناك فصلاً جديداً وأشد قسوة من فصول المعاناة والنزوح المستمر.
ومع استمرار الآلة العسكرية في حصد الأخضر واليابس، يبقى السؤال المطروح في أروقة المنظمات الإنسانية: إلى متى يصمد اللاجئ السوداني أمام طاحونة الحرب الاقتصادي والنزوح المستمر، دون أن تلوح في الأفق أي بوادر لحلول سياسية أو اقتصادية تُنقذ ما تبقى من رمق الحياة؟
التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.