بين العدوان المصري ولهيب الصحراء.. المعدّنون في مواجهة الجوع والموت

تقرير: عين الحقيقة

لم يذهبوا إلى الصحراء بحثاً عن الثراء، ولم يدفعهم الطمع إلى أعماق الجبال القاحلة في شمال السودان. كانوا مجرد شباب أنهكتهم الحرب، وأغلقت في وجوههم أبواب العمل والحياة، فاختاروا التعدين الأهلي ملاذاً أخيراً يقيهم الجوع ويمنح أسرهم فرصة للبقاء. لكن الحرب التي فروا منها إلى الصحراء لحقت بهم هناك، لتتركهم بين ركام المآوي وأشباح الموت في أرض لا تعرف الرحمة.

في المناطق الجبلية النائية الممتدة بين شمال الوادي والأنصاري وجبل العيقاد، كان مئات المعدّنين يعيشون حياة شاقة، لكنها مستقرة نسبياً. خيام بسيطة، وآبار للتنقيب، ومسجد صغير شيدوه بأيديهم ليمنحهم شيئاً من السكينة وسط صخب البحث عن الذهب. غير أن كل شيء تبدّل خلال دقائق معدودة مع بزوغ فجر يوم دامٍ.

يروي ناجون من الهجوم أن أصوات الطائرات المصرية شقت سكون الصباح الباكر قبل أن تتساقط القذائف على الموقع.. كان كثيرون لا يزالون نائمين داخل خيامهم البسيطة، بينما كان آخرون يستعدون ليوم جديد من العمل الشاق… وفجأة تحولت المنطقة إلى ساحة من الدخان والغبار والركام، وانهارت المآوي المؤقتة التي احتمى بها المعدّنون لأشهر طويلة.

ولم يكن المسجد الصغير بمنأى عن الدمار.. ذلك المكان الذي جمع الشباب على الصلاة والدعاء وسط قسوة الصحراء، تحول إلى أنقاض متناثرة بين الرمال والصخور، في مشهد ترك أثراً بالغاً في نفوس الناجين الذين شاهدوا كل ما بنوه يتهاوى أمام أعينهم.

ورغم نجاة كثيرين من الموت المباشر، فإن الصدمة كانت أقسى من الوصف. فالشباب الذين ظنوا أن ابتعادهم عن المدن وخطوط القتال سيمنحهم فرصة للحياة، وجدوا أنفسهم فجأة في مواجهة الخوف والمجهول. لم يعد هناك وقت للتفكير أو التردد؛ كان عليهم الفرار فوراً.

وبدأت رحلة نزوح شاقة عبر الجبال والمسارات الوعرة. حمل كل واحد منهم ما استطاع إنقاذه من متاع قليل، فيما ترك آخرون كل شيء خلفهم. كانت الشمس الحارقة تلاحقهم نهاراً، بينما يطاردهم هاجس القصف والخوف من المجهول في كل خطوة.

وتكشف المقاطع المصورة التي وثّقها الناجون جانباً من حجم المعاناة. وجوه شاحبة غطاها الغبار، وأجساد أنهكها العطش والإرهاق، وشباب يسيرون لساعات طويلة فوق الصخور الحادة والمنحدرات الجبلية بحثاً عن ملاذ آمن. لم تكن الرحلة مجرد انتقال من موقع إلى آخر، بل كانت اختباراً قاسياً للصبر والقدرة على البقاء.

وفي خضم هذه المأساة، برزت صور مؤثرة للتكافل الإنساني بين المعدّنين. فقد ظهر عدد من الشباب وهم يحملون رفاقهم المنهكين على ظهورهم أو يسندونهم أثناء السير لمسافات طويلة. لم تكن هناك سيارات إسعاف أو فرق إنقاذ أو أي شكل من أشكال الدعم الرسمي، بل كان الناجون يعتمدون على بعضهم البعض في مواجهة الموت والعطش والإرهاق.

وعندما وصلوا أخيراً إلى نقاط التجمع الرئيسية في الصحراء، لم تنتهِ معاناتهم. فبدلاً من العثور على وسائل نقل تقلّهم إلى مناطق أكثر أمناً، واجهوا واقعاً جديداً فرضته الظروف القاسية. فقد خسر كثير منهم أموالهم ومعداتهم ومقتنياتهم تحت القصف، وأصبحوا عاجزين حتى عن توفير تكاليف العودة إلى مناطقهم الأصلية.

وتزداد قسوة هذه المأساة حين ندرك أن غالبية هؤلاء الشباب لم يلجؤوا إلى التعدين خياراً، بل اضطراراً. فالحرب التي اندلعت في السودان دمّرت مصادر رزق لا حصر لها، وأخرجت آلاف الأسر من دائرة الإنتاج والعمل، لتدفع أبناءها نحو الصحارى والمناطق النائية بحثاً عن فرصة للعيش.

وبالنسبة لكثير من المعدّنين، لم يكن الذهب حلماً بالثراء السريع، بل وسيلة للبقاء فقط. كانوا يحاولون توفير ما يسد رمق أسرهم ويعينهم على مواجهة ظروف اقتصادية غير مسبوقة، لكنهم وجدوا أنفسهم مرة أخرى في مواجهة المأساة ذاتها التي حاولوا الهروب منها.

ورغم كل ما حدث، بقي شيء واحد عصياً على الانكسار. ففي نهاية المشاهد التي وثّقت رحلة النزوح، ظهر عدد من الشباب وهم يرفعون إشارات النصر ويتبادلون الابتسامات رغم التعب والخوف والخسائر. كانت ابتسامات مثقلة بالألم، لكنها عكست أيضاً إصراراً نادراً على التمسك بالحياة.

إنها حكاية جيل سوداني كامل وجد نفسه عالقاً بين الحرب والفقر والنزوح، وبين حلم بسيط بالعيش الكريم تحول إلى معركة يومية من أجل البقاء. حكاية شباب دفعتهم الأزمات إلى الصحراء بحثاً عن فرصة للحياة، فاستقبلتهم القنابل والركام والمجهول. وبينما تتواصل المأساة، يبقى السؤال معلقاً: كم من الأرواح يجب أن تضيع قبل أن يجد هؤلاء الشباب وطناً آمناً يليق بأحلامهم البسيطة؟

التعليقات مغلقة، ولكن تركبكس وبينغبكس مفتوحة.